​«كتيبة بارود»: الوجه الرقمي للعنف الممنهج ضد النساء السودانيات

تحقيقات

«المتهم الآن في أيدي القانون، ولن يهدأ لي بال حتى تتحقق العدالة»، بهذه الكلمات أعلنت الفنانة السودانية إيمان الشريف شروعها في اتخاذ إجراءات قانونية ضد صاحب حساب «بارود» على منصة «تيك توك»، بعد تعرضها لاستهداف مباشر عبر بث رقمي، مؤذنةً ببدء مواجهة قانونية مع إحدى أبرز حملات الإرهاب الرقمي ضد النساء السودانيات.

يبدأ بث «بارود» في ساعات متأخرة من الليل على منصة «تيك توك»، عارضًا صورًا ومقاطع فيديو لنساء سودانيات، يُلحقها بسيل من القذف العلني والعبارات الإباحية. ويتسع التفاعل سريعًا، ويتحول البث إلى ساحة رقمية مفتوحة لاستهداف النساء السودانيات. وبمعاونة «كتيبته» الداعمة، حوّل «بارود» التشهير والابتزاز الجنسي إلى عرض رقمي يتابعه الآلاف ويُدِر عليه أرباحًا.

الآن، وبينما يحتفي العالم باليوم العالمي للمرأة في الثامن من مارس، تبرز بثوث «بارود» تمظهرًا صارخًا لنمط أشمل من العنف القائم على النوع الاجتماعي الذي يتخذ من منصّات التواصل الاجتماعي مسرحًا، في ظل تقاطع بيئة رقمية تفتقر إلى المساءلة القانونية الفعّالة مع ثقافة تشرعن الوصاية على النساء وتستغل مفاهيم «الشرف» و«العرف» لتبرير الاعتداءات، فضلًا عن خوارزميات المنصّات التي تكافئ مثل هذا المحتوى بزيادة الانتشار والأرباح.

إعادة إنتاج العنف ضد النساء رقميًا

مع تحوّل منصات التواصل الاجتماعي من أدوات للتفاعل الإنساني إلى أدوات لإعادة إنتاج الانتهاكات الهيكلية التقليدية، امتدت الاعتداءات ضد النساء من الحيز الجغرافي الملموس إلى الفضاء الرقمي. فإلى جانب الاعتداءات الجنسية في مناطق الصراع داخل السودان، حيث تظل النساء السودانيات من أكثر الفئات تضررًا وسط غياب واضح لأبسط الخدمات والحقوق، يُستغل الإنترنت منصةً للاستهداف الممنهج واغتيال الشخصية والتحرش الجنسي.

ووفقَ تعريف هيئة الأمم المتحدة للمرأة، فإن هذا النمط من العنف يمثل سلوكًا يُرتكب أو يُضخَّم عبر الأدوات التقنية، ويخلّف أضرارًا جسدية ونفسية واقتصادية عميقة. وينبع هذا السلوك في جوهره من اختلال موازين القوى والبنى الاجتماعية التقليدية التي تعيد إنتاج نفسها في الفضاء الرقمي.

وفي الحالة السودانية، جرى تطويع التقنيات الحديثة لتغدو أدواتٍ للترهيب والسيطرة الاجتماعية، إذ يعمل هذا السلوك بوصفه آلية إقصاء متعمدة، تستهدف تهميش حضور النساء في الفضاء العام، وعزلهن عن مساحات التعبير عن الرأي وتقليل فاعليتهن المهنية والاجتماعية والسياسية.

وترتكز إستراتيجيات هذا التنكيل الرقمي على التلاعب بمفاهيم «الشرف» التقليدية، التي تحول الاعتداء إلى وصمة جماعية تمتد إلى المحيط العائلي وحتى القبلي للمستهدَفات. ويُوظَّف هذا الربط أداةً فعالةً للتحكم الاجتماعي، مما يمنح المعتدين سلطة رمزية على النساء وأسرهن ومجتمعاتهن.

إلى جانب ذلك، تتلقى النساء تهديدات صريحة بالقتل والعنف الجسدي. ولذلك تلجأ شريحة واسعة من المعنفات رقميًا إلى الرقابة الذاتية بوصفها آلية دفاعية. ويؤدي التعرض المستمر للإساءة إلى حالات حادة من القلق والاكتئاب والعزلة. وفي ظل الانهيار شبه التام للنظام الصحي وخدمات الدعم النفسي جراء الحرب، يسهم هذا الضغط في تفاقم الأزمات النفسية التي قد تتقاطع مع العنف المادي على أرض الواقع.

ولا يقتصر الأذى الرقمي على الجوانب السياسية والاجتماعية، بل يمتد إلى الاستقرار المعيشي للنساء السودانيات. فمع الانهيار الاقتصادي، اتجهت كثيرات إلى الفضاء الرقمي لإطلاق مشاريع تجارية صغيرة أو تنظيم حملات إغاثة، غير أنّ البيئة المسمومة على هذه المنصات تعرقل هذه المساعي.

كتيبة البارود

يمثل نشاط من يُعرف بـ«بارود»، أو حسابات «كتيبة بارود» على منصة «تيك توك»، نموذجًا واضحًا لإستراتيجيات التشهير والابتزاز الجنسي المنسق في الفضاء الرقمي.

يعتمد صاحب الحساب على استغلال ميزة البث المباشر، حيث يعرض المضيف صورًا ومقاطع فيديو لنساء سودانيات من فئات اجتماعية ومهنية مختلفة، مستخدمًا لغة إباحية وأوصافًا مهينة للحطّ من الكرامة الإنسانية للمستهدَفات.

ولا يكتفي صاحب الحساب بذلك، بل يتعمد اتهام النساء بالفساد الأخلاقي، ووصم النساء البارزات في الفضاء العام أو المقيمات في الخارج بممارسة «التجارة الجنسية»، مستخدمًا مصطلحات تهدف إلى إثارة الغضب المجتمعي وتأليب الرأي العام عليهن.

تدار جلسات البث عبر صاحب الحساب الرئيسي (بارود)، وتسانده مجموعة من الحسابات الداعمة، لضمان انتشار المحتوى وتجاوز نظام البلاغات الرقمية الآلية. ولضمان معدلات متابعة مرتفعة، يلجأ «بارود» إلى أسلوب التشويق عبر ادعاء امتلاك مقاطع فيديو «خاصة» أو «أسرار» لم تُنشر بعد، ما يُبقي الجمهور في حالة ترقب دائم. كما يشجع المتابعين على التعليق بعبارات مسيئة ومشاركة البث، مما يحول التحرش من تصرف فردي إلى سلوك جماعي تشاركي.

وتُعقد جلسات البث في ساعات متأخرة من الليل لضمان الوصول إلى جمهور واسع في السودان ودول الشتات في مصر والخليج وأوروبا. كما تُتداول هذه المقاطع على نطاق واسع عبر منصات التواصل المختلفة، بما يضمن وصول أثرها السلبي إلى أوسع شريحة ممكنة، وإلى المحيط العائلي والاجتماعي للمستهدفات.

ويمثل استهداف اللاجئات السودانيات في مصر ركيزة أساسية في خطاب «بارود»، إذ يصوّر النساء اللاجئات «فاسدات أخلاقيًا»، مما يعمّق الوصمة الاجتماعية والتمييز العنصري الذي يعانينه أصلًا، في ظل الصور النمطية السلبية التي تصوّر اللاجئين السودانيين عبئًا على المجتمع المصري. وقد تزيد هذه الحملات من احتمالية تعرضهن للملاحقة القانونية بتهم فضفاضة مثل «الاعتداء على قيم الأسرة المصرية».

ملاحقة قانونية

وتشير منشورات إلى أنّ جهود التصدي لمحتوى «بارود» قد دخلت حيّز القضاء، إثر مباشرة ملاحقات قانونية في سلطنة عُمان من الفنانة إيمان الشريف، والأمين عمر، أحد مشايخ الطرق الصوفية، ضد صاحب حساب «بارود». ووفقًا لما أعلن عنه الطرفان على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد استهدفت هذه الدعاوى كبح التجاوزات الرقمية القائمة على التشهير والإساءة الممنهجة، مما أدى إلى تدخل السلطات العُمانية وتوقيف المشكو ضده.

​تُبرز هذه التطورات درجة من الفاعلية في الاحتكام إلى المنظومات العدلية في دول إقامة المتجاوزين؛ إذ يمثل توقيف «بارود» سابقة إجرائية في ملاحقة مرتكبي الانتهاكات الذين يتخذون من وجودهم خارج السودان غطاءً لمواصلة ممارساتهم. كما يؤكد أن تفعيل الأدوات القانونية يظل أحد أقوى آليات تكريس مبدأ المساءلة بوصفها أداة رادعة في الفضاء الرقمي.

اقتصاد الكراهية الرقمي

يعتمد اقتصاد «تيك توك»، بدرجة أساسية، على نظام الهدايا الافتراضية، وهو المحرك المادي الذي يغذي حملات الكراهية التي تقودها شبكات مثل «كتيبة بارود». فالمنصة تكافئ المحتوى الذي يحظى بتفاعل عالٍ بصرف النظر عن مضمونه الأخلاقي، مما يحول الإساءة إلى النساء إلى نموذج ربحي.

وفي هذه الحالة، لا يحصل المعتدي على الشهرة والسطوة الرقمية فحسب، بل يحقق عوائد مالية مباشرة من «الدعم» الذي يقدمه الجمهور المشارك في جلسات التشهير، مما يخلق دورة من العنف الممول ذاتيًا.

وقد رصدت «بيم ريبورتس» نشاط شبكة «بارود» ووثقته، إذ تتبع الفريق جلسات البث المباشر، وحلل أنماط التفاعل وانتهاكات الشبكة لإرشادات مجتمع منصة «تيك توك»، لا سيما ما يتعلق بالمضايقات والتحرش الجنسي وانتهاك الخصوصية. وبناءً على ذلك، تواصلت «بيم ريبورتس» مع شركة «تيك توك»، موضحةً حجم الضرر الذي تسببه هذه الشبكة وتأثيرها في حياة النساء.

وأثمر التواصل مع فريق «تيك توك» عن حظر الحساب الرئيس لـ«بارود» وعدد من الحسابات المساندة ضمن كتيبته الرقمية. ومع أنّ هذا الإجراء يمثل خطوة مهمة في طريق المساءلة الرقمية، فإن خطورة هذه الشبكة تكمن في قدرتها على التمدد خارج المنصة الأصلية، إذ تُسجّل المقاطع ويعاد تداولها على «فيسبوك» وعبر مجموعات «واتساب» ومنصات أخرى، بما يضمن وصول الضرر إلى المحيط العائلي المباشر للنساء المستهدفات، وقد يقود إلى عواقب وخيمة ومستوى جديد من العنف.

مسؤولية المنصّات

يتطلب فهم جذور المشكلة تحليلًا نقديًا لآليات عمل خوارزميات المنصات الكبرى ونماذجها التجارية، إذ تعتمد هذه الشركات على إبقاء المستخدمين متصلين لأطول وقت ممكن، وغالبًا ما يتحقق ذلك عبر تضخيم المحتوى المثير للجدل والمحفز لمشاعر الغضب والكراهية.

وتمنح خوارزميات التوصية أولوية للمحتوى التحريضي، لأنه يحظى بتفاعل أكبر بكثير من المحتوى المعتدل. وقد يؤدي ذلك إلى انتشار منشورات تهاجم النساء أو تحرض على العنف ضدهن، إذ تصل هذه الرسائل إلى ملايين المستخدمين في غضون دقائق، مما يضاعف حجم الضرر ويجعل المنصات شريكة، ولو بصورة غير مباشرة، في ترويج العنف.

وبموازاة هذا التحيز الخوارزمي، تعاني منصات التواصل الاجتماعي قصورًا هيكليًا في الإشراف على المحتوى الناطق بالعربية بلهجاتها المختلفة. كما تبقى استثماراتها في توظيف مراجعين بشريين يدركون تعقيدات السياقات السياسية والاجتماعية محدودة. ويمنح هذا الفراغ الإشرافي المستخدمين واللجان الإلكترونية مساحة لاستغلال المنصات في نشر حملات الكراهية دون التعرض للمساءلة أو الحظر الفوري، مما يترك السودانيات بلا حماية تقنية تُذكر.

صمت مجتمعي

في كثير من حالات الهجوم الرقمي المنسق على النساء، تميل شريحة واسعة من المستخدمين إلى المراقبة الصامتة دون تدخل. وينبع هذا الموقف من عوامل متعددة، منها الخوف من ردود الفعل الانتقامية، أو عدم الرغبة في الانخراط في جدالات مرهقة، أو القناعات المضمَرة التي تلوم الضحية على حضورها في الفضاء العام وجهرها بآرائها.

ويُفسَّر هذا الصمت في البيئة الرقمية نوعًا من الموافقة الضمنية، مما يمنح الجهات المحرضة غطاءً من الشرعية الوهمية ويشجعها على التمادي. وفي هذا الوضع، يسهم غياب التضامن المجتمعي الفوري والمنظم مع النساء المستهدفات في ترسيخ بيئة رقمية تطبّع مع الإساءة، وتعدّها ضريبة حتمية لمشاركة المرأة في الحياة العامة.

علاوةً على ذلك، يتطلب الوضع الراهن إعادة تعريف مفهوم «محو الأمية الرقمية» بحيث يتجاوز المهارات التقنية البحتة، ليشمل الأبعاد الأخلاقية والاجتماعية للتفاعل عبر الإنترنت، وتفكيك الصور النمطية الجندرية التي تُنتج وتُستهلك في الفضاء الرقمي، وتوضيح الآثار الواقعية للكلمات المكتوبة خلف الشاشات.

ماذا تفعل عند مواجهة محتوى تحريضي؟

عندما تصادف منشورًا أو تعليقًا يحمل طابعًا إقصائيًا أو مسيئًا، فإنّ الخطوة الأولى والأكثر أهمية هي الامتناع التام عن التفاعل المباشر معه بالرد أو الغضب، لأنّ الخوارزميات تُترجم هذا التفاعل إلى انتشار أوسع للمحتوى. وبدلًا من ذلك، ينبغي استخدام أدوات الإبلاغ المتاحة على المنصة فورًا، لتصنيف المحتوى خطاب كراهية أو مضايقة. 

عند الضغط على خيارات الإبلاغ المتاحة إلى جانب المنشور أو التعليق المسيء، تظهر قائمة من الخيارات المتعددة. ويكمن الخطأ الشائع هنا في اختيار تصنيفات عامة أو مبهمة، مما يؤدي غالبًا إلى رفض البلاغ آليًا. ولضمان تعامل المنصة بجدية مع الاستهداف القائم على النوع الاجتماعي، ينبغي اختيار التصنيف الأكثر دقة وصرامة والذي يبرز طبيعة الانتهاك الفعلي. 

وينبغي تحديد خيارات مثل «خطاب كراهية»، أو «تحرش وتنمر»، أو «تهديد بالعنف»، أو «نشر صور حميمية دون موافقة»، بناءً على محتوى المنشور، فمن شأن هذا الاختيار الدقيق أن يجبر نظام الفلترة الآلي والمراجعين البشريين على تقييم المحتوى وفقًا لأشد سياسات الأمان صرامة، مما يزيد احتمالية الاستجابة السريعة وحذف المحتوى.

​التبليغ الجماعي

​نظرًا إلى اعتماد منصات التواصل الاجتماعي، بدرجة عالية، على الأنظمة الآلية في مراجعة ملايين البلاغات اليومية، فقد يُتجاهل البلاغ الفردي أو يُرفض بحجة عدم مخالفة معايير المجتمع، لا سيما إن كان المحتوى مصاغًا بلهجات محلية معقدة أو يتضمن إساءات مبطنة. 

ولتجاوز هذه العقبة التقنية، تبرز أهمية التبليغ الجماعي بوصفها أداة ضغط فعالة. فمشاركة روابط الحسابات المسيئة أو المنشورات التحريضية مع شبكة موثوقة، وحثّهم على الإبلاغ، يخلق كثافة عددية تجبر خوارزميات المنصة على حجب المحتوى مؤقتًا أو تحويله إلى مراجعة بشرية عاجلة. 

وفي حال تلقي رسالة تفيد برفض البلاغ الأول، ينبغي عدم الاستسلام وتفعيل خيار «طلب مراجعة إضافية» أو «الاستئناف» الذي توفره معظم المنصات. فهذه الخطوة في العادة تنقل الملف من أيدي الذكاء الاصطناعي إلى فرق المراجعة البشرية التي لديها قدرات أفضل على فهم السياقات الاجتماعية والتحريضية الموجهة ضد النساء.

المسار القانوني

​في حالة الرغبة في نقل مسار الإبلاغ إلى خارج الفضاء الرقمي، لا سيما عندما يتضمن المحتوى التحريضي تهديدات صريحة بالاعتداء الجسدي، أو ابتزازًا ماليًا، أو كشفًا متعمدًا لبيانات شخصية بغرض الإيذاء المادي، ينبغي توثيق المحتوى جيدًا قبل إبلاغ المنصّة، وتقديم بلاغ رسمي لدى أقسام مكافحة الجرائم الإلكترونية في أجهزة الشرطة المحلية. 

كذلك، يُنصح بالتواصل مع المنظمات غير الحكومية والجمعيات النسوية التي تقدم الدعم القانوني والتقني المتخصص لضحايا العنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي، والتي لديها في العادة قنوات اتصال مباشرة وسريعة مع إدارات شركات التكنولوجيا الكبرى لتسريع إزالة المحتوى الضار، كما توفر الحماية والدعم النفسي.

مشاركة التقرير

البريــد الإلكتروني

© 2022 Beam Reports. created with PRIVILEGE