عندما يعيش الفرد في قلب حدثٍ ما، فإنه يرى ما لا يراه البعيد: الأثر الذي يتركه قرار على الوضع الأمني، وعلى الوصول إلى الخدمات الحيوية، وحتى على المحادثات اليومية بين الجيران. هذا القرب المادي من الحدث يُنتج نوعًا من المعرفة التي تأتي من الاحتكاك المباشر بالواقع، وهي معرفة تميل نحو الملموس والآني، وتبحث في الأشياء عن إجابات عن أسئلة أكثر براغماتية.
في المقابل، حين يتابع شخصٌ ما حدثًا من بعيد، فإن ما يصله من الحدث ليس تفاصيله الحيّة، بل صورته المختزلة، فالمسافة تحوّل الحدثَ من تجربة مُعاشة إلى فكرة معالَجة ذهنيًا عبر ما يحمله المتلقي مسبقًا من قناعات وقيم، وهو ما يُفسِّر جزءًا من التباين الملحوظ في ردود الأفعال تجاه القضايا السياسية ذاتها بين سكان المناطق المتأثرة وبين من يتابعون الأحداث من العواصم أو المدن البعيدة.
نظرية مستوى التفسير
أسس تروب وليبرمان إطارًا نظريًا في علم النفس الاجتماعي يُعرف بنظرية مستوى التفسير، وجوهره أن الإنسان لا يختبر مباشرةً إلا ما هو حاضر أمامه، وأن كل ما يبعد عن هذا المركز الآني يستدعي بناءً ذهنيًا تجريديًا لاستيعابه. ومن هنا تنشأ المسافة النفسية بأبعادها المتعددة: الزمنية حين يتعلق الأمر بالمستقبل أو الماضي البعيد، والمكانية حين تقع الأحداث خارج النطاق الجغرافي للمتلقي، والاجتماعية حين يتعلق الأمر بأفراد أو جماعات يختلفون عنه في هويتهم أو وضعهم، والافتراضية التي ترتبط بمدى احتمالية حدوث الأمر.
تقول النظرية إن الذهن البشري يستجيب لهذه المسافات بطريقة منتظمة نسبيًا، وكلما زادت المسافة، رفعَ العقلُ مستوى تفسيره وابتعد عن التفاصيل الجزئية نحو السمات الكلية والمركزية للحدث. وكلما اقترب الحدث زمانيًا أو مكانيًا أو اجتماعيًا، انخفض مستوى التفسير وبرزت التفاصيل السياقية ومسائل التطبيق والجدوى.
الانقسام بين لماذا وكيف
لعلّ أبرز ما تكشف عنه هذه النظرية في السياق السياسي هو التمايز الجوهري بين نمطين مختلفين في التفكير في الشأن العام. من يتابع قضيةً من بعيد يميل إلى التساؤل: لماذا نفعل هذا؟ وما قيمته؟ وعلى أيّ مبدأ يقوم؟ أما من يعيشها في محيطه المباشر فيسأل: كيف سيُطبّق هذا؟ ومن سيتحمّل التبعات؟ وما الذي سيتغير في حياتنا اليومية؟ وهذا التباين ليس نتاج جهل أو قصور في المعلومات لدى أيٍّ من الطرفين، بل هو انعكاس لآليتين مختلفتين في معالجة الواقع تفرضهما طبيعة العلاقة بالحدث لا درجة الوعي به. وهذا يُفسِّر لماذا يسهل على الناس التوافق على مبادئ عامة، مثل العدالة والكرامة والحقوق، حين تُطرح في صورتها المجردة، ثم تندلع الخلافات حين تتحوَّل هذه المبادئ إلى قرارات محددة تمس واقعًا بعينه.
وتتفاعل الأبعاد الأربعة للمسافة النفسية في تشكيل الموقف السياسي على نحو يجعل من الصعب عزل بُعدٍ عن آخر. فالسياسة المقررة الآن لكنها ستُطبَّق بعد سنوات تحمل بُعدًا زمنيًا يدفع نحو التقييم المبدئي. والسياسة المُطبَّقة في مناطق أخرى تُعامَل من خلال بُعدها المكاني، فيُنظر إليها في ضوء ما تعنيه رمزيًا. والسياسة التي تمس جماعات اجتماعية بعيدة عن الشخص تُقيَّم من خلال البُعد الاجتماعي، فيُحكم عليها بمعايير مجردة تغيب عنها تفاصيل حياة أولئك الناس.
وللمسافة النفسية وظيفة إيجابية حقيقية، إذ تُمكِّن الأفراد من التفكير في مستقبل بعيد، ومن استيعاب وجهات نظر جماعات مختلفة، ومن صياغة مشاريع جماعية تتجاوز المصلحة الآنية. غير أنّ هذا الأفق الذهني الواسع يُفضي أحيانًا إلى إغفال ما لا يُرى إلا من الداخل، وهو التحديات التطبيقية، والتأثيرات الجانبية، والثمن الفعلي الذي يدفعه من يقع في مركز الحدث.
ثورة الاتصالات وإعادة تشكيل المسافة
طرحت فرانسيس كيرنكروس مقولة «موت المسافة»، في إشارة إلى ما أحدثته ثورة الاتصالات من تآكل في أهمية الجغرافيا والحدود والمناطق الزمنية. فقد منحت الشبكات الرقمية الأفرادَ فعلًا إمكانية المشاركة في أحداث تقع في أقصى العالم بسرعة وتفصيل لم يكونا متاحين من قبل، مما أسهم في تشكيل وعي سياسي يتخطى الحدود المحلية.
غير أنّ هذا الوصف يظل قاصرًا، إذ لم تلغِ الشبكات الرقمية المسافة، بل أعادت تعريفها. وفي المقابل، برزت مسافة من نوع آخر، تلك التي تصنعها الخوارزميات. فمنصات التواصل الاجتماعي لا تعرض العالمَ كما هو، بل تعيد تركيبه وفق ما يبدو أنه يتوافق مع تفضيلات المستخدم، فتقرِّب من يشبهونه وتُبعد من يختلفون معه، بصرف النظر عن المسافة الجغرافية الفعلية. وينتج عن ذلك ما بات يُعرف بـ«غرف الصدى»، أي بيئات اتصالية تُضخِّم الأصوات المتشابهة وتُخفف من الاحتكاك بالتنوع الحقيقي.
التقارب العاطفي
في هذا الفضاء الرقمي، تمتلك السرديات الإنسانية قدرةً استثنائية على تقليص المسافة النفسية، فحين يشاهد شخصٌ ما مقطعًا مصورًا يظهر فيه أشخاص حقيقيون يعانون في مكان بعيد، تتراجع المعالجة التجريدية الباردة وتحل محلها استجابة أكثر مباشرة. ويمنح هذا التحول وسائل التواصل الاجتماعي قدرة حقيقية على تعبئة الرأي العام تجاه قضايا تبعد آلاف الكيلومترات، سواء كانت حروبًا أو كوارث طبيعية أو حركات احتجاجية.
غير أنّ هذه القدرة نفسها تجعل الجمهور عرضة لاستخدامات أخرى، فالمحتوى العاطفي المُعدّ بإتقان قادر على توليد شعور بالقرب، مستغلًا آليات التعاطف لدفع الجمهور نحو مواقف قد تكون قائمة على صور ناقصة أو مُشوَّهة، وبهذا يتحول ما كان ميزةً في التواصل الإنساني إلى أداة في يد من يجيدون توظيف الانفعالات.
وعلى صعيدٍ موازٍ، أسهمت منصات التواصل الاجتماعي في تضمين القضايا السياسية داخل الحياة اليومية للشباب على نحو يجعلها تبدو متصلةً بهوياتهم وجماعاتهم واهتماماتهم الشخصية. فبدلًا من تلقي السياسة في صورة مادة تعليمية أو خطاب رسمي، يجد كثير من الشباب أنفسهم يتفاعلون مع المسائل السياسية عبر نقاشات وموجات رأي ومحتوى مرئي يمزج الهوية بالموقف أو الرأي.
ولا يعني ما سبق أن الثورة الرقمية أفضت إلى أفول سلطة المكان، فالجغرافيا لم تفقد أثرها، بل باتت تتشارك التأثير مع عوامل جديدة كالخوارزميات والهوية الشبكية والانتماء الافتراضي. وبات المواطن يحمل اليوم في آنٍ واحد تعاطفًا مع قضايا تقع في بقاع بعيدة، ويخوض نقاشات مع أناس لم تجمعه بهم أرض مشتركة.
ويطرح هذا الواقع تساؤلات جدية أمام صنّاع السياسات والعاملين في قطاعي الإعلام والتربية على حدٍّ سواء، فقد بات المواطن يعيش حالةً دائمة من القرب والبُعد معًا، وتشكّل آراؤه عبر تقاطع تجربته المحلية المباشرة مع متابعته الرقمية المتشعبة بالإضافة إلى ما يحمله من أُطر تفسيرية مسبقة. وفهم هذه التركيبة ليس ترفًا منهجيًا، بل شرط لا غنى عنه لمن يسعى إلى قراءة الرأي العام بدقة والتواصل معه بجدّية.