خلفية
إن كنتم من السودان، أو تطلعون بانتظام على المحتوى السوداني على وسائل التواصل الاجتماعي، فلا بد أن مفردات مثل «الرائعين» و«أم كعوك» و«الجنقو» قد مرّت على بعضكم. وعلى صعوبة فهم الجذور اللغوية أو الثقافية لهذه المفردات على كثيرين، فإن سياقات المنشورات والصور المصاحبة تيسّر إدراك أنها ليست أوصافًا عابرة، بل أدوات للوصم والإقصاء، تُعيد رسم الحدود بين «نحن» و«هم» داخل المجتمع السوداني.
في العديد من المنشورات، تُتداول في أوقات متقاربة وسوم (هاشتاقات) تُربط فيها مجموعات إثنية كاملة من السودانيين بالعنف أو الفوضى أو إثارة التهديد، بما يتجاوز التعبير عن الرأي إلى بناء سرديات تبرّر الاستهداف، ويُعد ذلك ضمن السمات البارزة للنشاط الرقمي في السودان منذ اندلاع الحرب.
لم تعد الحروب تُخاض فقط على الأرض، بل على الشاشات أيضًا، إذ تدور على وسائل الإعلام المختلفة معارك موازية لا تقل تأثيرًا. ومنذ اندلاع النزاع في السودان بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة مفتوحة للصراع، تُستخدم فيها الكلمات والصور بوصفها أدوات للتعبئة والتحريض.
في هذا الفضاء، لم تعد المنصات الرقمية مجرد وسائل لنقل الأخبار، بل أضحت جزءًا من بنية الصراع نفسها، تُنتَج عبرها السرديات وتُعاد صياغتها، وتُستخدم لتضخيم خطاب الكراهية، بما يغذي الانقسام ويدفع نحو مزيد من العنف، سواء على المستوى الرمزي أو في الواقع.
وتشير تقارير سابقة لـ«سوداليتيكا»، رصدتْ تطور خطاب الكراهية، تصاعدًا ملحوظًا في أنماط الخطاب العنيف المنسّق على وسائل التواصل الاجتماعي، مما أسهم في تعميق الاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل البلاد. ولا يقتصر أثر هذا الخطاب على المجال الرقمي فحسب، إذ تشير اللجنة الأوروبية لمكافحة العنصرية والتعصب إلى أنّ خطاب الكراهية غالبًا ما يضع الأساس الفكري للجرائم عبر تطبيع التعصب، ونزع الإنسانية عن مجموعات معينة، وتبرير العنف ضدها.
ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة في السياق السوداني، مع تزامن النزاع المسلح مع حرب إعلامية رقمية نشطة منذ أبريل 2023، إذ يظهر الاستخدام المنظم لوسائل التواصل الاجتماعي أداةً للتأثير والتعبئة.
في هذا التقرير المطوّل، رصد فريق «سوداليتيكا»، طوال 12 شهرًا، الأنماط المتجددة لخطاب الكراهية المنتشر على منصات التواصل الاجتماعي في السياق السوداني، ويسعى بمنهجية مُفسّرة إلى كشف الدور الذي تضطلع به في الاستقطاب واستمرار العنف الذي انتقل من المدن والقرى وساحات المعارك إلى شاشات الهواتف والعقول، بوصفه قوة تأثير على أفكار السودانيين ووجدانهم في أوقات عصيبة.
هيكلة التقرير وأهداف البحث
تستعرض الأقسام الآتية من هذا التقرير المنهجية المعتمدة والاعتبارات الأخلاقية التي التزم بها الفريق طوال عمله في إعداد البحث، بهدف توضيح الأسس التي استندت إليها عمليات جمع البيانات وتحليلها. كما يقدّم التقرير عرضًا منظّمًا لأبرز النتائج، مصنّفة ضمن ثلاثة محاور رئيسة:
- مستوى فهم المجتمع السوداني لمفهوم «خطاب الكراهية»، ورصد أنماط الخطاب السائد والتفاعل معه على وسائل التواصل الاجتماعي.
- تحليل معمّق لتوظيف خطاب الكراهية أداةً رقمية للصراع في السودان.
- تحليل الآثار المترتبة على انتشار خطاب الكراهية والعنف في الفضاء الرقمي وتداعياته المحتملة على الواقع الاجتماعي والسياسي.
منهجية البحث
يدرس هذا التقرير جانبًا من التفاعل الاجتماعي في سياق الحرب المندلعة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، منذ 15 أبريل 2023، بالتركيز على المدة من 15 نوفمبر 2024 إلى 15 نوفمبر 2025. واعتمد البحث على منهجين رئيسين:
- استطلاع رأي عام للمواطنين عبر الإنترنت.
- رصد وسائل التواصل الاجتماعي (فيسبوك، وإكس، وتيك توك).
جُمعت بيانات الاستطلاع عبر الإنترنت. وصمّم فريق البحث الاستبيان باستخدام تطبيق Kobo Toolbox، واستخدم التطبيق نفسه في عملية جمع البيانات. وقد نُشر رابط الاستبيان عبر منصات «بيم ريبورتس» على مواقع التواصل الاجتماعي. وبينما استهدفت الدراسة جمع 150 استجابة، جُمعت 126 عينة مكتملة وصالحة للتحليل.
بالتوازي، رصد فريق «سوداليتيكا» وحلّل المحتوى المنشور على ثلاث منصات للتواصل الاجتماعي (فيسبوك، وإكس، وتيك توك)، في المدة من 15 نوفمبر 2024 إلى 15 نوفمبر 2025.
واستندت عملية جمع البيانات إلى مجموعة من الكلمات المفتاحية المرتبطة بالحرب، والمصطلحات الدالة على التوترات السياسية والإثنية والاجتماعية التي تشهدها الساحة السودانية خلال هذه المدة.
وخلال مدة الدراسة، رصد فريق البحث ما يفوق 600 منشور. كما رُصدت المنصات في أوقات محددة، لدراسة تقلبات محتوى الخطاب، بناءً على أحداث معينة. واختيرت عينة عشوائية تتكون من 300 منشور من المجموع الكلي، للمقارنة والتحليل العميق.
اختيرت هذه المصطلحات وفق منهجية مزدوجة، تجمع بين: المصطلحات التي حدّدها المشاركون في الاستطلاع ومن ثم رصد المصطلحات الأكثر انتشارًا والمرتبطة ارتباطًا مباشرًا بأحداث عنف واقعية. ومن بين الكلمات المفتاحية المستخدمة: «النهر والبحر»، و«دولة 56»، و«الشفشافة»، و«الانفصال سمح»، و«العطاوة»، بالإضافة إلى «الجنقو/الجنقاي»، و«أبُلداي/أبُلدة»، و«أم كعوك»، وكذلك «الرائعين».
الاعتبارات الأخلاقية
يدرك فريق «سوداليتيكا» الاعتبارات الأخلاقية والتحديات المركّبة المرتبطة بإجراء البحوث في الفضاءات الرقمية، خاصةً باستخدام استطلاعات الرأي العام ورصد وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما في سياق النزاع الجاري والاستقطاب المتصاعد في السودان. ولذلك، وضَعَ مقدمة في بداية الاستبيان توضح للمشاركين أهداف المشروع، وتؤكد التزام فريق البحث بالحفاظ على سرية المشاركين عن طريق جمع الحد الأدنى من المعلومات الشخصية التي تتيح له التأكد من صحة العينات المجموعة ومصداقيتها.
ومع أنّ المحتوى الذي رُصد على وسائل التواصل الاجتماعي متاح للعامة، فإنه لا يعكس بالضرورة الرأي العام بدقة، بل ما تتيح الخوارزميات إبرازه وتداوله. ويلتزم فريق «سوداليتيكا» باستخدام هذا المحتوى فقط لأغراض التحليل، مع الحرص على عدم إعادة إنتاج خطاب الكراهية أو العنف، وتجنب أيّ مساهمة في نشره أو تضخيمه.
صفات العينة
- عينة البيانات التي رُصدت على وسائل التواصل الاجتماعي
تضمنت عينة البيانات محتوى منشورًا من سودانيين وسودانيات داخل السودان وخارجه، بالإضافة إلى مواطنين من دول أخرى تضمن حديثهم عن الحرب في السودان الكلمات المفتاحية التي استُخدمت في البحث. ووُجّه البحث بكلمات مفتاحية حُددت بوضع فرضيات عن طبيعة الخطاب المتداول بالاستناد إلى تعريفات قانونية وأكاديمية لمصطلح خطاب الكراهية، مع مراعاة السياق الثقافي والتاريخي السوداني.
في أثناء عملية تصنيف البيانات، حرص فريق «سوداليتيكا» على التمييز بين الحق في التعبير بحرية عن الآراء والأفكار، حتى وإن كانت مثيرة للجدل أو تختلف عن الآراء الشعبية السائدة، وبين المحتوى الذي يشجع على الكراهية أو التمييز ضد فئة معينة على أساس عوامل مثل الأثنية أو الدين أو نوع الجنس أو أيّ عامل محدِّد للهوية، بالإضافة إلى اعتبار السياق والهدف من المحتوى المنشور، فالمحتوى الرقمي قد يكون ساخرًا، أو مجتزأً، أو خارج سياقه الأصلي.
- العينة التي جُمعت عبر استطلاع الرأي
كان العدد الكلي للمستجيبين 126 عينة، إذ جُمعت 83 عينة من 20 دولة من خارج السودان، تمثل 66% من مجموع العينات، و43 عينة من داخل السودان، تمثل 34% من مجموع العينات، كما يوضح الشكل رقم (1). من داخل السودان، جُمعت العينات من 11 ولاية، ومثلت الخرطوم أعلى نسبة بـ16 عينة، تليها ولاية الجزيرة بخمس عينات.
الشكل (1): التوزيع الجغرافي للمشاركين
يوضح الشكل (2) أنّ النسبة الأعلى من المشاركين في الاستطلاع تتراوح أعمارهم بين 26 و35 عامًا، ومثلوا 32.5% من المشاركين. وفي حين شارك الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 36 و 45 عامًا بنسبة 28.5%، كانت نسبة المستجيبين الذين تتراوح أعمارهم بين 46 و55 عامًا وأكثر من 55 عامًا 15% لكل فئة، وأقلّ فئة كانت من الأعمار بين 18 و25 عامًا.
الشكل (2): الفئات العمرية للمشاركين
ويُبيّن تحليل النوع الاجتماعي، كما موضح في الشكل (3)، أن معظم المستجيبين للاستطلاع ذكور (80%)، في حين تمثل نسبة المستجيبات الإناث 20% فقط.
الشكل (3): توزيع النوع الاجتماعي للمشاركين
ويبيّن تحليل المستوى التعليمي للمشاركين، كما موضح في الشكل (4)، أن الغالبية الأكثر للمشاركين تتمتع بنسبة تعليمية عالية، إذ بلغ عدد الحاصلين على تعليم جامعي نسبة 58.7% من العينة (74 فردًا)، بينما بلغ عدد الحاصلين على تعليم فوق جامعي (دراسات عليا) نسبة 36.5% من المشاركين (46 فردًا)، وفي المقابل كان عدد الحاصلين على تعليم ثانوي محدودًا جدًا، إذ بلغ 6 أفراد من العينة بنسبة 4.7%. وتكشف هذه النتائج، على نحو أساسي، عن وجود هيمنة واضحة بين المستجيبين للحاصلين على تعليم جامعي.
الشكل (4): المستوى التعليمي للمشاركين
الجزء الأول: الوعي العام بخطاب الكراهية والتفاعل معه في السودان
يهدف هذا القسم من البحث إلى قياس مستوى الوعي بمصطلح «خطاب الكراهية» في المجتمع السوداني من خلال منهجيتين: أولاهما: تحليل نسبة المشاركين في الاستطلاع المدركين لمعنى المصطلح وكيفية تعريفهم له، والثانية: تحليل التفاعلات على وسائل التواصل الاجتماعي.
وتكشف نتائج الاستبيان عن ارتفاع مستوى الوعي بمصطلح «خطاب الكراهية» بين المشاركين، إذ أفاد 92.06% منهم بأنهم يفهمون معناه جيدًا، مما يشير إلى حضور واضح للمصطلح في الوعي العام. وفي المقابل، ذكر 7.14% أنهم سمعوا بالمصطلح من قبل، لكنهم غير متأكدين من معناه، في حين أشار 0.79% فقط إلى أنهم لا يعرفون معناه مطلقًا.
الشكل (5): مدى معرفة المشاركين بمصطلح خطاب الكراهية
استخدم فريق «سوداليتيكا» عينة من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي لإجراء تحليل معمّق بشأن كيفية توظيف مفهوم خطاب الكراهية وتعريفه من قِبل المستخدمين. وكشف الرصد عن جملة من الأنماط السائدة في فهم المصطلح واستخدامه، من بينها:
- الوعي بمصطلح «خطاب الكراهية» واستخدامه بصورة ساخرة.
- الوعي بالمصطلح مع تبرير توظيفه بوصفه موقفًا أو أداة سياسية.
- غياب الفهم الدقيق للمصطلح واستخدامه دون إدراك لمعناه أو دلالاته أو استخدامه خارج سياقه الأصلي.
تشير نتائج تحليل الاستبيان، كما موضح في الشكل (5)، إلى أن فهم المشاركين لخطاب الكراهية يتركز على الهجوم على أفراد أو مجموعات على أساس هويتهم، إذ أفاد 97.62% من المشاركين بهذا الرأي. ويكشف هذا التركيز على الهوية كيف أن خطاب الكراهية غالبًا ما يتخذ طابعًا شخصيًا أو جماعيًا مباشرًا، ويهدف إلى وصم مجموعات بعينها أو تهميشها. وفي المقابل، أشار نحو ثلث المشاركين (34.92%) إلى استخدام الألفاظ النابية أو غير اللائقة بوصفه أحد مظاهر خطاب الكراهية، مما يوضح أن اللغة العدائية تمثل وسيلة بارزة لنقل الرسائل التحقيرية وتعميق الاستقطاب الاجتماعي.
البيانات توضح أيضًا أن نسبة أقلّ من المشاركين ربطت خطاب الكراهية بالتعبير عن استياء أو غضب عام غير موجّه (7.14%)، أو في النقد الموجّه إلى الحكومات أو السلطات السياسية (3.97%)، إذ يرى المشاركون أن التعبير عن الرأي أو النقد السياسي في حد ذاته لا يرقى إلى أن يُصنّف خطاب كراهية، إلا إن كان مصحوبًا بعنف لفظي أو إساءة مباشرة لمجموعات أو أفراد.
أما التعبير عن رأي مخالف للرأي العام، فقد عدّه عدد محدود جدًا من المشاركين (1.59%) ضمن مظاهر خطاب الكراهية، وهو ما يشير إلى وعي المجتمع بأن الاختلاف مع وجهات النظر السائدة لا يعني بالضرورة نشر الكراهية، ويُبرز التمييز بين حرية التعبير والخطاب الموجّه للإقصاء أو الإساءة.
الشكل (6): التعريف الأقرب إلى مصطلح خطاب الكراهية
تشير الأبحاث الأكاديمية والتقارير الدولية إلى إشكالية التمييز بين خطاب الكراهية وحرية التعبير. وفي عام 2012، أطلقت الأمم المتحدة، عبر مكتب المفوضية السامية لحقوق الإنسان، «خطة عمل الرباط»، لتكون أداةً عملية ومرجعية لمنع التحريض على الكراهية والعنف، واستنباط مسار واضح لتحديد موضع الخط الفاصل بين حرية التعبير والتحريض، مع الحفاظ على احترام حقوق الإنسان الأخرى.
في الحالة السودانية، يؤسس هذا التمييز مبدأً تحليليًا ومنهجيًا مهمًا في رصد الخطاب العام: وهو أن التعامل مع خطاب الكراهية ينبغي أن ينطلق من تقييم أثر الخطاب في السلم الاجتماعي وحقوق الجماعات، وليس فقط من محتواه السياسي أو درجة حدته. وبذلك، يصبح الفصل بين حرية التعبير وخطاب الكراهية شرطًا لازمًا لفهم ديناميات الاستقطاب، وتطوير استجابات تحمي المجال العام دون شرعنة التحريض أو الإقصاء.
وتُظهر نتائج الاستبيان، كما يوضح الشكل (7)، رفضًا واسعًا لفكرة أن الحد من انتشار خطاب الكراهية يُعدّ تقييدًا لحرية التعبير، إذ أبدى 51.59% من المشاركين عدم اتفاقهم الشديد مع هذه المقولة، في حين عبّر 33.33% عن عدم اتفاقهم. وفي المقابل، أبدى 7.94% اتفاقًا شديدًا، و2.38% اتفاقًا، في وقت اختار فيه 4.76% موقف الحياد. وتشير هذه النتائج إلى وعي الغالبية العظمى وقدرتهم على التمييز بين الخطاب الجهوي وحرية التعبير.
الشكل (7): مدى تمييز المستجيبين بين الحد من انتشار خطاب الكراهية وتقييد حرية التعبير
أظهر تحليل ما يزيد عن 220 كلمة مفتاحية ذكرها المشاركون باعتبارها الأكثر شيوعًا في نشر خطاب الكراهية والعنف، إمكانية تصنيفها إلى عدة أنماط خطابية رئيسة. ويتمثل النمط الأول في خطاب العبودية والتعبئة الإثنية والذي يستند إلى مفردات تُعيد إنتاج تراتبيات إثنية وتنزع الإنسانية عن جماعات بعينها.
ويبرز إلى جانب ذلك خطاب «الأصل غير الشرعي» أو نزع الانتماء الوطني الذي يقوم على تصوير فئات معينة باعتبارها دخيلة أو غير أصيلة. كما يظهر الخطاب المناطقي الذي يحوّل الانتماء الجغرافي إلى وصمة اجتماعية أو أداة استعلاء، عبر الربط بين المكان والصفات الأخلاقية أو السياسية، بالإضافة إلى الخطاب الانفصالي أو خطاب «الدولة البديلة» الذي يُلمّح إلى تقسيم الدولة أو إعادة تعريف من يملك حق الانتماء إليها. تبيّن أن الكلمات الأكثر تكرارًا ضمن هذه الفئات كانت: «جلابة»، و«غرابة»، و«فلنقاي/ فلنقايات»، و«عب/ عبد/ عبيد»، و«أولاد الضيف/ ود الضيف»، و«عرب الشتات»، في حين ظهرت كلمات بتكرار متوسط مثل: «زرقة»، و«جنجويد»، و«دولة 56»، و«شماليين»، و«أم كعوك»، و«ديناري».
الشكل (8): أبرز المصطلحات المتداولة التي تتضمن خطاب كراهية وعنف وفقًا لإفادات المشاركين
أجرى فريق «سوداليتيكا» تحليلًا معمّقًا لحجم المحتوى وانتشاره وتكرار المصطلحات ذات الصلة بخطاب الكراهية عبر ثلاث منصات للتواصل الاجتماعي (فيسبوك، وتيك توك، وإكس). واستند التحليل إلى قائمة من الكلمات المفتاحية المرتبطة بخطاب الكراهية، جُمعت عبر مساهمات 126 مشاركًا، بالإضافة إلى المصطلحات التي نُشرت أو برزت في أثناء الدراسة.
واستُخدمت هذه القائمة في رصد مدى انتشارها وتداولها عبر المنصات المختلفة، خلال مدة البحث الممتدة من 15 نوفمبر 2024 إلى 15 نوفمبر 2025، مع تحليل السياقات التي وردت فيها، بهدف التمييز بين الاستخدام الوصفي أو التداولي، وبين الاستخدام الذي يهدف فعليًا إلى نشر خطاب كراهية.
سرد عن نتائج رصد وسائل التواصل الاجتماعي: تحليل أنماط خطاب الكراهية المنتشر في السودان من 2024 – 2025
-
تعبئة إثنية
يبني هذا التحليل على أعمال سابقة لـ«سوداليتيكا» تناولت أنماط خطاب الكراهية في السياق السوداني. ففي تقرير سابق، حلل «سوداليتيكا» خطاب الكراهية الموجّه ضد مجتمعات دارفور وكردفان. وشمل مصطلحات جرى استخدامها وإعادة إنتاجها لنشر خطاب مناهض لهذه المجتمعات، مثل: «فلنقاي»، و«عبيد دارفور»، و«عبيد جلابة»، و«عرب شتات». كما أشار تقرير آخر إلى انقسامات جهوية متجذّرة في الخطاب المتداول، عبر استخدام مصطلحات مثل «أولاد البحر» و«أولاد الغرب»، لتأطير الاختلافات الاجتماعية والسياسية.
ومنذ نشر هذه التقارير، رصد فريق «سوداليتيكا» تزايدًا في الخطاب المعادي لمجتمعات دارفور وكردفان. وسعى هذا التحليل إلى توسيع نطاق الرصد عبر إدراج مصطلحات جديدة تُبرز التحولات التي طرأت على الخطاب في سياق الحرب، بما يسمح بتتبع كيفية إعادة تشكيل مفردات الكراهية وتكيّفها مع السياق الراهن.
حيث برزت مصطلحات ذات دلالات عنصرية وتندرج ضمن مصطلحات خطاب الكراهية لما تحمله من إيحاءات مهينة ولاستهدافها مجموعات سكانية معينة، مثل (الرائعين، وأبُلداي/ أبُلدة/أبُلدة أم قاش، وأم كعوك). ويشرح التحليل تداولها وتطور استخدامها ومن تستهدف، ويُظهر تصاعد استخدام هذه المصطلحات في الخطاب الرقمي.
الرائعون والرائعات:
مع اندلاع الحرب في السودان، اكتسب مصطلح «الرائعين» معنى جديدًا، إذ أعيد توظيف الكلمة من قبل مجموعات «النهر والبحر»، لوصف سكان دارفور وكردفان عامة، وخاصة القبائل غير العربية بصورة عنصرية تتضمن خطاب كراهية واضح، بالإضافة إلى سخرية من صعوبة نطق أفراد هذه المجتمعات للكلمة.
ويشير تحليل محتوى المنشورات إلى أن استخدام مصطلح «الرائعين» من قبل مؤيدي انفصال السودان يتخذ عدة أنماط خطابية متكررة، تعكس آليات إنتاج الوصم الاجتماعي وإعادة ترسيخ التراتبية العرقية في الفضاء الرقمي. من أبرز هذه الأنماط: أولًا، ربط الجريمة وخاصة السرقة بهذه الفئات بوصفها سمة جماعية ملازمة. ثانيًا، بناء ثنائية تمثيلية حادة بين «سودا متحضر» يُقدَّم بوصفه خاليًا من «الرائعين»، و«سودان غير متحضر» يُنسب وجودهم إليه، بما يعيد إنتاج سرديات الإقصاء المكاني والثقافي. انظر إلى الصور أدناه.






الصور (1) و(2) و(3) و(4) و(5) و(6): أمثلة على استخدام كلمة «الرائعين» في خطابات الكراهية
أم كعوك وود الضيف:
مصطلح «أم كعوك» يعود في الأصل إلى نوع من أنواع الحشرات التي تهاجم وتفسد المحاصيل الزراعية، وخلال فترة الحرب الجارية، أُعيد توظيف المصطلح من قبل الموالين للجيش لوصف عناصر «الدعم السريع» والموالين لها، في سياق يحمل دلالات تجريدية وانتقاصية. ويُظهر تحليل المحتوى المنشور تصاعد استخدام المصطلح، لاسيما في المقاطع التي تتضمن مهاجمة عناصر «الدعم السريع» والاحتفاء بذلك.
كما يبرز أيضًا اقترانه المتكرر بمصطلحات ذات دلالة عنصرية ومشابهة في الوصف، تُستخدم للغرض نفسه، مثل مصطلح «ود الضيف»، وهو مصطلح حساس يستعمل للدلالة على أنهم أبناء غير شرعيين، في إشارة إلى أنهم ولدوا نتيجة علاقات غير شرعية من نساء قُدمن لممارسة الجنس مع الضيوف. ويستخدم المصطلحَ عناصرُ «الدعم السريع» أنفسهم وأفراد القوات المشتركة لوصف بعضهم في سياقات كراهية، كما تستخدمه القوات التي تقاتل إلى جانب الجيش ضد «الدعم السريع». ويُستخدم المصطلحان لتقليل انتماء العناصر المُشار إليها إلى المكان أو التشكيك في «سودانيتهم»، بمعنى أنهم «ليسوا من أهل البلد الأصليين».
ومع تمدد الحرب في السودان، امتد استخدام مصطلح «أم كعوك» إلى وصف القبائل العربية في ولايات دارفور وكردفان المتهمة بأنها حواضن لـ«الدعم السريع». وتعرضت هذه القبائل لموجات متكررة ومنسقة من الهجوم. وانتشر استخدام المصطلح بهدف تجريد هذه الجماعات من صفتها الإنسانية، عبر تصويرها «كائنات ضارة»، وتصعيد المحتوى المناهض للقبائل، مما يعكس نمطًا لغويًا قائمًا على نزع الصفة الإنسانية في الخطاب المتداول.
الصورة (7): استخدام المصطلح للإشارة إلى بعض القبائل في السودان
أبُلدة:
في السياق نفسه، برز استخدام مصطلح «أبُلدة/أبُلداي»، وهو مشتق من كلمة «بليد» بمعنى الغبي. وبدأ يُستخدم من قبل عناصر «الدعم السريع» في سياق ازدرائي لوصف الجندي أو الضابط المنحدر من مناطق «الهامش» ويقاتل في صفوف الجيش السوداني أو إلى جانبه. ويُستعمل المصطلح للإشارة إلى عناصر القوات المشتركة للحركات المسلحة في دارفور المنخرطة في القتال إلى جانب الجيش، في إيحاءٍ ضمني بأنهم يدعمون الجهة التي يُفترض أنها همّشتهم تاريخيًا.
ويُظهر التحليل أن المصطلح يوظف للوصم العنصري على نطاق واسع، بناءً على اللون أو الانتماء الإثني، إذ يُستدعى في مقاطع مصورة وخطابات عبر منصات التواصل الاجتماعي للإشارة إلى ذوي البشرة الداكنة على نحوٍ تمييزي. انظر إلى الصور أدناه.



الصور (8) و(9) و(10): استخدام مصطلح «أبُلدة» في الخطاب الرقمي
تصاعد الخطاب الدولي
رُصدت أنماط متعددة لما يمكن تسميته خطابًا عابرًا للحدود، شملت خطابًا موجّهًا من سودانيين ضد لاجئين داخل السودان، وآخر مضاد يستهدف اللاجئين السودانيين في دول الجوار. ويأخذ هذا التحليل حالتي مصر وتشاد لفهم ديناميات الخطاب المناهض للاجئين السودانيين خارج البلاد، وما يحمله من مضامين كراهية وتحريض.
خطاب منسّق ضد اللاجئين السودانيين في مصر
أظهر تحليل فريق «سوداليتيكا»، في الفترة الممتدة من 15 نوفمبر 2024 إلى 15 نوفمبر 2025، بروز خطاب عدائي متكرر ومنسّق ضد اللاجئين السودانيين في مصر، يُعاد إنتاجه عبر موجات زمنية مختلفة، ويتصاعد تدريجيًا في حدّته التحريضية. وتشير تقارير سابقة إلى تكرار هذه الموجات، لا سيما عبر إعادة تفعيل الوسوم نفسها في أكثر من مناسبة، بالتركيز على تحليل معمق للوسمين «#ترحيل_جميع_اللاجئين_مطلب_شعبي» و«#ترحيل_السودانيين_من_مصر».
ويظهر هذا الخطاب على نطاق واسع عبر حسابات وهمية ومجموعات مغلقة وصفحات غير موثوقة، تعمل على إعادة نشر المحتوى التحريضي وتضخيمه وتبرير التصعيد الأمني ضد اللاجئين، مما يزيد الاحتقان بين المجتمعات.
ويكشف تحليل هذه الوسوم عن مؤشرات على جهود منسّقة تستهدف اللاجئين، إذ يتصاعد الخطاب بالتزامن مع حملات أو إجراءات أمنية على الأرض. ويشير التحليل إلى تصاعد نشاط محتوى يتسم بتشابه لافت في الأنماط اللغوية والمضامين، مع إعادة تدوير المواد نفسها وإعادة نشرها بصيغ متقاربة من قبل حسابات مختلفة.
ويربط الخطاب المنتشر اللاجئين بالمشكلات الأمنية والاقتصادية والصحية في مصر، كما يُحمّلهم مسؤولية ما يُقدَّم بوصفه «انفلاتًا أخلاقيًا»، مع اتهامات تتعلق بسلوكيات مثل شرب الكحول و«البلطجة» أو اتهام النساء اللاجئات بـ«جلب رجال» إلى الأحياء السكنية، بالإضافة إلى استخدام أوصاف مهينة وعنصرية. ويتسم هذا الخطاب باستخدام معلومات مضللة ومختَلَقة، وتعميم الوقائع الفردية على سائر مجتمعات اللاجئين، إلى جانب التحريض بالإبلاغ عن اللاجئين غير النظاميين. ويسهم هذا النوع من المحتوى في دعم حملات الترحيل على نحو مباشر، وتطبيع العنف والتمييز ضد اللاجئين.


الصورتان (11) و(12): أمثلة على خطابات موجهة ضد اللاجئين السودانيين في مصر
الخطاب بشأن اللاجئين السودانيين في تشاد
في المقابل، رُصد مستوى أقلّ من الحدة والانتشار لخطاب الكراهية ضد اللاجئين السودانيين في تشاد على منصات التواصل الاجتماعي. ويشير المحتوى المتداول إلى أن النقاش العام يميل، بدرجة أكبر، إلى ربط استضافة اللاجئين بالأعباء الاقتصادية والأمنية، دون وجود مؤشرات واضحة على خطاب منظم أو حملات منسّقة تستهدف اللاجئين السودانيين في البلاد.
أمثلة على الخطاب المتداول من حسابات ومجموعات تشادية


الصورتان (13) و(14): أمثلة على خطابات موجهة ضد اللاجئين السودانيين في تشاد
في المقابل، برزت مصطلحات مثل «الجنقو/ الجنقاوي/الجانقي» في الخطاب المتداول بين السودانيين داخل البلاد وخارجها. ويُستخدم المصطلح للإشارة إلى العمال الموسميين المنخرطين في الأعمال الزراعية أو الشاقة. غير أن دلالته المعاصرة شهدت تحولًا في أثناء الحرب، إذ بات يُستخدم للإشارة إلى المهاجرين غير النظاميين في دول الجوار وأوروبا، مع حمولة دلالية مرتبطة باللون والانتماء الإثني وأصبح يعني في هذا السياق الزنوج، إذ يوجه المصطلح، على نحو خاص، إلى مهاجرين من قبائل دارفور، خاصةً القبائل غير العربية.
ويشير عبد الرحمن عمسيب، وهو أحد أبرز منظري الخطاب الانفصالي (مجموعة النهر والبحر)، في بيان توظيفه مصطلح «الجنقو» في خطابه، إلى أنه لا ينطبق –بحسب طرحه– على المهاجرين من قبائل الشمال والوسط ومن يشار إليهم بـ«أولاد العرب»، بل يقتصر فقط على القبائل غير العربية في دارفور الذين «تعودوا على حياة المخيمات»، في توصيف يُبرز البعد الإقصائي للمصطلح.
مع مرور الوقت، شهد المصطلح درجة من التطبيع في نسيج اللغة اليومية في الفضاء الرقمي، وأصبح يُستخدم بصورة اعتيادية للإشارة إلى المهاجرين السودانيين بوجه عام، في مسار أفقدها وطأتها التحريضية الأولى وحوّلها إلى تعبير يحمل شحنة سخرية ضمنية بدلًا من خطاب كراهية صريح.
وفي هذا السياق، يلفت تقرير «ذي إندبندنت» بعنوان «لغة الحرب تتسلل إلى الخطاب السوداني اليومي» إلى الدور المحوري الذي تضطلع به وسائل التواصل الاجتماعي في تسريع هذا الانزلاق، إذ تُختزل مفردات العنف في وسوم ونكات وأيقونات بصرية سهلة الانتشار، مما يُطبعها في الذاكرة الجماعية ويجعلها تبدو وكأنها مصطلحات عامة سائدة وليست خطابًا تحريضيًا.
خطاب مناهض للاجئين داخل السودان
من جانبٍ آخر، برزت أنماط متصاعدة من خطاب الكراهية الموجَّه ضد اللاجئين والأجانب داخل السودان، حيث جرى تداول توصيفات إقصائية وتحريضية من قبيل الدعوة إلى «طرد الأجانب». وقد ارتبطت هذه الخطابات بسرديات تُحمّل اللاجئين مسؤوليات أمنية وسياسية، عبر اتهامهم بالقتال إلى جانب «الدعم السريع»، أو التعاون معها، أو السعي إلى تشكيل ميليشيات تهدد أمن الدولة وتفتح المجال أمام التدخلات الخارجية. كما صُوِّر وجودهم بوصفه عاملًا مسببًا لعدم الاستقرار ورُبط بارتفاع معدلات الجريمة.
وتجلى هذا النمط من التحريض بصورة أكثر تركيزًا تجاه جنسيات بعينها، لا سيما المنحدرين من إثيوبيا وجنوب السودان وتشاد. وتشير نتائج التحليل إلى أنّ هذه الفئات تعرضت في سنوات الحرب إلى موجات متكررة من الهجوم الرقمي، وذلك عبر استخدام وسوم ومصطلحات مثل «طرد الأجانب». ويتكرر ظهور الخطاب في سياقات زمنية مختلفة، ويناهض فئات متنوعة، خصوصًا اللاجئين من إريتريا وإثيوبيا في شرق السودان، إلى جانب الخطاب الموجَّه ضد التشاديين ومواطني جنوب السودان .
الجزء الثاني: حرب إعلامية ومعلوماتية: خطاب الكراهية أداةً رقميةً للصراع
في سياقات النزاع والاستقطاب الحاد، لم تعُد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل، بل أضحت فضاءات فاعلة في إنتاج المعنى السياسي والاجتماعي، وإعادة تشكيل التصورات بشأن «الآخر».
وفي الحالة السودانية، اضطلعت هذه المنصات بدور محوري في تداول الخطابات المرتبطة بالحرب، بما في ذلك خطاب الكراهية الذي يستهدف مجموعات إثنية أو جهوية أو طبقية بعينها. وتتيح البنية التقنية لهذه المنصات –القائمة على الخوارزميات التي تعزز المحتوى الأكثر إثارةً للتفاعل— بيئة خصبة لتضخيم الرسائل الانفعالية والاستقطابية. وفي ظل هشاشة السياق السياسي والاجتماعي، تغدو هذه الخطابات جزءًا من ديناميات الصراع نفسه.
دور وسائل التواصل الاجتماعي في نشر خطاب الكراهية
تُظهر نتائج الاستبيان، كما يوضح الشكل (9)، تصوّرًا واضحًا بأنّ خطاب الكراهية المرتبط بالحرب في السودان ينتشر، بقدر أكبر، عبر منصات التواصل الاجتماعي، مقارنةً بوسائل الإعلام التقليدية. فقد رأى معظم المشاركين أنّ الخطاب «منتشر جدًا» على «فيسبوك» بنسبة 78.57%، مما يدل على تفشي الخطاب بدرجة كبيرة في المنصة. وتتفق هذه النتيجة مع دراسات وتحقيقات دولية تناولت تورط منصة «فيسبوك» في تأجيج الصراعات والعنف في سياقات أخرى، مثل ما حدث ضد الروهينغا في ميانمار. وحلت في المرتبة الثانية منصة «إكس» (تويتر سابقًا) بـ50%، ثم «تيك توك» بـ57.94%، وأخيرًا واتساب بـ48.41%.
في المقابل، بدا انتشار خطاب الكراهية في وسائل الإعلام التقليدية أقل حدّة، إذ بلغت نسبة من وصفوه بأنه «منتشر جدًا» في الإعلام السوداني 58%، في حين بلغت نسبة من وصفوه بأنه «منتشر جدًا» في الإعلام العربي 22%، أما الإعلام الغربي فبلغت نسبته 20%. وتشير هذه النتائج إلى أن المشاركين ينظرون إلى وسائل التواصل الاجتماعي على أنها بيئة أكثر خصوبة لانتشار خطاب الكراهية وتداوله.
الشكل (9): مدى انتشار خطاب الكراهية المتعلق بالحرب في السودان على قنوات الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي
أسهم اندماج خطاب الكراهية بالعالم الرقمي في تضخيم أثره وتسريع انتشاره، إذ وفّرت منصات التواصل الاجتماعي والتطبيقات الرقمية بيئة خصبة لتداوله، لا سيما في السياق السوداني. وقد ساعد توظيف مصطلحات محلية، مرتبطة حصرًا بالسياق الاجتماعي والسياسي السوداني، وتباين دلالاتها وتركيباتها اللغوية، في تسهيل انتشار هذا الخطاب وتعقيد رصده، مما جعل ضبطه والحد منه أكثر صعوبة على إدارات المنصات.
وتشير عدة تقارير إلى نمط متكرر في سياقات النزاع والفضاءات الرقمية، إذ تلجأ الأطراف المتحاربة إلى استغلال هذه المنصات ضمن أدواتها الإستراتيجية لحشد الدعم، وتبرير الإجراءات العسكرية، وتشويه الخصوم، والتأثير في الرأي العام.
وفي سياق السودان، أسهم تعدد الفاعلين المنخرطين في إنتاج المحتوى وتداوله، إلى جانب تحوّل محاور نشره، في تسارع انتشار هذا الخطاب. فقد أظهر تقرير سابق لـ«سوداليتيكا» بشأن خطاب الكراهية، أن المصطلحات ذات الحمولة الجهوية لم تظل ثابتة في دلالاتها، بل تحوّلت من الإشارة إلى مجموعة عسكرية بعينها والجهات المتحالفة معها إلى استهداف فئات أخرى. وكما نوضح في الجزء المقبل من هذا التقرير، فإن استخدام مصطلح «الشفشافة» شهِد تحولًا مماثلًا، إذ انتقل من الإشارة إلى قوات الدعم السريع إلى وصم أفراد مدنيين.
وتشير نتائج الاستبيان إلى تعدّد الجهات الفاعلة في نشر خطاب الكراهية في سياق الحرب في السودان، إذ أشار 84.13% من المشاركين إلى أن قوات الدعم السريع و/أو حلفاءها تسهم في نشر هذا الخطاب، تليها الجهات المرتبطة بحزب المؤتمر الوطني بـ75.4%، ثم المؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي بـ68.25%. كما رأى 61.9% أن الجيش السوداني و/أو حلفاءه يشاركون في إنتاج هذا الخطاب، في حين أشار 42.06% إلى دور بعض المواطنين السودانيين أنفسهم. وفي المقابل، أفاد 27.78% بأن القوى السياسية المدنية و/أو حلفاءها منخرطون أيضًا في نشر خطاب الكراهية – كما موضح في الشكل (10).
الشكل (10): تصوّرات المشاركين بشأن الفئات التي تعمل على نشر خطاب الكراهية في سياق حرب السودان
شهدت الحرب الحالية في السودان استخدامًا ممنهجًا لخطاب الكراهية مصحوبًا بأخبار مضللة وكاذبة على نحو مكثف، ضمن سياق التعبئة للحرب أو شيطنة الخصوم. وتدرس «سوداليتيكا» أبرز آثارها عبر دراسة آراء المواطنيين السودانيين وتحليل المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.
تُظهر الدراسات الميدانية في مناطق نزاع متعددة نمطًا متكررًا، إذ ترتفع موجات المعلومات المضللة وخطاب الكراهية في أوقات التوتر السياسي الشديد، وتتفجر عند تصاعد النزاعات إلى العنف. ويشير تقرير الأمم المتحدة بشأن خطاب الكراهية والأذى الواقعي إلى أن دمج خطاب الكراهية مع المعلومات المضللة قد يؤدي إلى الوصم والتمييز، وحتى العنف واسع النطاق، كما الحال في أحداث تاريخية في رواندا وميانمار والإبادة المستمرة على قطاع غزة.
وتكشف نتائج الاستبيان عن وعي واسع لدى المشاركين بتشعب البنية المعلوماتية التي يرتكز عليها خطاب الكراهية في سياق الحرب في السودان، إذ يرى أغلب المشاركين (69.84%) أن الخطاب يعتمد على مزيج من المعلومات الصحيحة والمضللة، مما يُظهر وعيًا بأن فعاليته لا تقوم فقط على الأكاذيب الصريحة، بل على توظيف جزئي لوقائع أو أحداث حقيقية يجري إخراجها من سياقها أو تضخيمها لتعزيز سرديات إقصائية. وفي المقابل، يرى 28.57% من المشاركين أن خطاب الكراهية يقوم أساسًا على معلومات مضللة. في حين رأى عدد ضئيل جدًا (0.79%) أنه يستند إلى معلومات صحيحة. انظر إلى الشكل (11).
الشكل (11): يوضح ما إن كان خطاب الكراهية يستند في جوهره إلى معلومات صحيحة، أو مضللة، أو إلى مزيج من الاثنين
الجزء الثالث: دراسة الآثار المترتبة على تصاعد خطاب الكراهية على وسائل التواصل الاجتماعي
تشير نتائج الاستبيان أيضًا إلى إدراكٍ واسع النطاق لخطورة خطاب الكراهية المتداول في سياق الحرب في السودان، إذ رأى 86.5% من المشاركين أن للخطاب تأثير كبير في المجتمع السوداني، مقابل 7.94% رأوا أن تأثيره متوسط. وعبّرت نسب محدودة جدًا عن اعتقادها بضعف تأثيره أو عدم وجود تأثير آني (أقل من 2% لكل منهما)، في حين أشار 2.38% إلى أنّ تأثيره قد لا يكون ظاهرًا الآن، لكنه قد يتفاقم مستقبلًا.
الشكل (12): تأثير خطاب الكراهية المتداول في سياق الحرب في السودان في المجتمع السوداني
سألنا المشاركين في الاستبيان عن إمكانية توظيف خطاب الكراهية أداةً أو سلاحًا معلوماتيًا، لمعرفة آرائهم بشأن استخدام خطاب الكراهية في سياق الحرب وتأثيره في المجموعات المستهدفة. وكشفت نتائج التحليل، كما يوضح الشكل (13)، عن اتفاق أغلب المشاركين على إمكانية توظيف خطاب الكراهية سلاحًا معلوماتيًا موجَّهًا ضد مجموعات معينة، إذ أفاد 95% منهم بالموافقة على هذا الطرح، مما يعني أن الغالبية الساحقة ترى في خطاب الكراهية أداة يمكن توظيفها إستراتيجيًا في سياقات النزاع. وفي المقابل، بقيت نسبة المحايدين محدودة (2%)، في حين رفض الفكرة 1.5% فقط.
شكل (13): اتفاق المشاركين بإمكانية توظيف خطاب الكراهية سلاحًا معلوماتيًا
لبناء تحليل أعمق لتأثير خطاب الكراهية ودوره بوصفه سلاحًا معلوماتيًا في الحرب الجارية في السودان، استُند إلى آراء المشاركين في الاستطلاع، لفهم إدراكهم للنتائج الواقعية لانتشار هذا الخطاب.
وتُظهر نتائج الاستطلاع إدراكًا واضحًا بين المشاركين بتعدد الآثار المترتبة على انتشار خطاب الكراهية في سياق الحرب في السودان، إذ رأى معظم المشاركين (92.06%) أنه يسهم في تعميق الانقسامات المجتمعية، في حين أشار 90.48% إلى دوره في تبرير العنف ضد مجموعات بعينها. كما أفاد 74.6% بأن خطاب الكراهية يؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي، وهي النسبة نفسها التي رأت أنه يسهم في تشويه صورة مجموعات اجتماعية محددة. وعلى المستوى الفردي، أشار 73.02% إلى ما يخلّفه من تأثيرات نفسية سلبية على الأفراد المستهدفين.
الشكل (14): الآثار المترتبة على انتشار خطاب الكراهية في سياق الحرب في السودان
تكشف نتائج التحليل عن شبه إجماع على أن خطاب الكراهية لم يعد مجرد تعبير رقمي عابر، بل أضحى أداة فاعلة في تشكيل المواقف الاجتماعية وتعميق الاستقطاب بين المجموعات المختلفة. ففي سياقات النزاع، لا يقتصر استخدام هذا الخطاب على التحريض الرمزي، بل يمتد ليُوظَّف في تبرير أعمال العنف ضد مجموعات بعينها وتهيئة البيئة الاجتماعية لتقبّل الانتهاكات.
وأشار المشاركون، في إجاباتهم المفتوحة، إلى جملة من التداعيات المباشرة لانتشار خطاب الكراهية، من بينها: تسميم النقاش العام، وتدمير فرص إعادة بناء المؤسسات، وابتعاد الأشخاص المؤهلين لخدمة البلاد، إلى جانب تجييش المجتمعات ضد بعضها، وتطبيع العنف ضد مجتمعات بعينها، بالإضافة إلى الحروب التي أدت إلى زعزعة الاستقرار السياسي، وصدمات نفسية، وعنف مباشر، علاوةً على طمس الحقائق، ومفاقمة أزمة الحرب، وتعزيز التدخلات الدولية، وطمس أدلة الانتهاكات، والإفلات من العقاب، وتعزيز فرص تقسيم البلاد مرة أخرى، مما يشير إلى وعي متزايد بانتقال خطاب الكراهية من مستوى التداول الرقمي إلى مستوى التأثير الواقعي والسياسي والاجتماعي الملموس.
ويطرح هذا السياق سؤالًا حاسمًا: متى يتحول خطاب الكراهية إلى أداة جريمة؟ يشير تقرير مؤسسة «كارنيغي» للسلام الدولي إلى أن خطاب الكراهية «لا يُعدّ، بحد ذاته، جريمة إلا حين يتحول إلى دعوة صريحة إلى العنف أو تبرير مباشر له»، مما يعني أن التحليل القانوني ينبغي أن يميز بين التعبير الرقمي العادي والخطاب المستخدم سلاحًا في الحرب الإعلامية لاستخدام العنف أو تبريره.
وتهدف هذه الدراسة إلى تحليل أكثر أثران يترتبان على استخدام خطاب الكراهية، ذكرها المشاركون، عبر ثلاث منصات للتواصل الاجتماعي (فيسبوك، وإكس، وتيك توك). ويتمثل المحور الأول في تعميق الانقسامات المجتمعية بدراسة انتشار الخطاب الانفصالي لجماعة «البحر والنهر» التي تعمل على إعادة تعريف الدولة وتقسيمها. والثاني: استخدام خطاب الكراهية لتبرير العنف ضد مجموعات معينة، بدراسة تحوّل مصطلح «الشفشفة» وأثره في الواقع الاجتماعي.
ويقدّم هذا التحليل فهمًا معمقًا لكيفية تفاعل الخطاب الرقمي مع الواقع الميداني، وتأثيراته في الممارسات الاجتماعية والسياسية في السودان.
تعميق الانقسامات المجتمعية – تحليل الخطاب الانفصالي لجماعة «النهر والبحر» وإعادة تعريف الدولة
برزت تيارات فكرية تدعو إلى إعادة تعريف جذرية للدولة السودانية. وروّج عدد من المؤثرين مفهوم «دولة النهر والبحر»، وهو تصور جغرافي ثقافي يُعيد السودان إلى حدوده التي يقولون إنها كانت «طبيعية» قبل الاحتلال البريطاني. ويختزل هذا المفهوم الدولة في الشريط النيلي والمناطق الساحلية والشرق، مع استبعاد واضح لدارفور والأقاليم الغربية والجنوبية وأجزاء من كردفان.
وشهدت حسابات ومنصات مؤيدة لـ«دولة النهر والبحر» ارتفاعًا ملحوظًا –في وقت الدراسة– في عدد المتابعين ومعدلات التفاعل مع منشوراتها، وهي تركز في المقام الأول على ترويج دعوات انفصال السودان عبر محتوى يمزج بين معلومات صحيحة وأخرى مضللة، إلى جانب معلومات مُجتزأة من سياقها، مثل السرديات المرتبطة بالتاريخ السياسي للدولة السودانية. كما تنشط هذه الحسابات، عبر ثلاث منصات تواصل اجتماعي، في تضخيم خطاب عبد الرحمن عمسيب وإعادة تداول منشوراته على نطاق واسع.
وقُدّم هذا الطرح بلغة توحي بالحتمية والواقعية، لترويج أن وحدة السودان الحالية تُعدّ «عبئًا» على الشمال والوسط. واستند هذا الخطاب إلى حجج اقتصادية وهوياتية، ترى أن الدفاع عن الأقاليم الغربية يستنزف الموارد ويعرض المناطق النيلية للخطر دون مقابل.
ويعيد هذا الخطاب إنتاج سرديات تاريخية قديمة بشأن مركزية الشريط النيلي وهيمنته السياسية والثقافية ونزع صفة المواطنة من سكان الإقليمين. وفي هذا السياق، استخدمت بعض السرديات الانفصالية المرتبطة بما يُعرف بخطاب «النهر والبحر» ومناصريه مصطلحات ذات حمولة إثنية واضحة، مثل «رائع/رائعة» و«العطاوة» بكثرة. كما أظهر تحليل المنشورات أن هذه المصطلحات لم تكن توصيفات عابرة، بل أدوات تصنيف وإقصاء تعزز الاستقطاب الاجتماعي.
وتكشف نتائج تحليل المنشورات عن تصاعد انتشار الدعوات في سنة الدراسة (نوفمبر 2024 – نوفمبر 2025)، وأن الخطاب تغذى على التطورات السياسية والعسكرية في البلاد. وعلى سبيل المثال، رصدت «بيم ريبورتس» عدة أشكال لتصاعد الخطاب الانفصالي صاحَب سيطرة «الدعم السريع» على مدينة الفاشر حاضرة ولاية شمال دارفور في 26 أكتوبر 2025.
وقد كانت الآثار الإنسانية لسقوط الفاشر مباشرة وصادمة، إذ تشير تقارير حقوقية إلى أن نحو 260 ألف مدني كانوا محاصرين داخل المدينة لحظة سقوطها، بينهم مئات الآلاف من النازحين الذين لجؤوا إليها هربًا من القتال. وفي هذا المساق، حُلل استخدام وسوم تتضمن خطابًا انفصاليًا مع التركيز على (#الانفصال، و#الانفصال_سمح، و#دولة_البحر_والوسط_الشريط_النيلي، و#الدولة_الجديدة، و#الدوله_السناريه، و#الانفصال_قادم)، وتحليل انتشارها في وقت سقوط الفاشر.
وبتحليل محتوى المنشورات، تبيّن أن استخدام الوسوم جاء في سياق تصعيد سردية الانفصال واكتمال أحد أوجهها بسيطرة «الدعم السريع» على أكبر مدن الإقليم، إلى جانب نزع التعاطف من المتضررين من الإقليم عبر اتهامهم بالتعاون مع «الدعم السريع» والاحتفاء بمكاسبها العسكرية (أي السيطرة على الفاشر).
وفي هذا السياق، رُصدت منشورات تدعو بصراحة إلى رفض نزوح هذه المجموعات إلى شمالي السودان، مصحوبة بخطاب تحريضي يصوّر نزوح أهل الفاشر إلى ولايات الشمال بوصفه بداية لـ«احتلال ديموغرافي» لوسط السودان وشماله، مع تحذيرات من خطورة وجود عدد كبير من نازحي الفاشر في هذه المناطق. انظر إلى الصور أدناه.
الصورة (15): مثال على خطاب تحريضي ضد سكان الفاشر
الصورة (16): مثال على خطاب تحريضي ضد سكان الفاشر
الصورة (17): مثال على خطاب تحريضي ضد نازحي الفاشر
الصورة (18): مثال على خطاب تحريضي ضد نازحي الفاشر
يسهم انتشار الخطاب الانفصالي، الذي يستند في جوهره إلى حمولات إثنية —سواء كان موجَّهًا ضد القبائل العربية أو الإفريقية في دارفور وكردفان— في تعميق الانقسامات المجتمعية وتعزيز الاستقطاب على أسس عرقية وهوياتية. وتزداد خطورة هذه الخطابات في ظل التطورات العسكرية التي تشهدها البلاد، إذ يمكن أن تؤدي إلى تأجيج التوترات بين المكونات الاجتماعية، وإضعاف فرص التماسك الوطني، فضلًا عن تهيئة البيئة لتبرير العنف أو الإقصاء السياسي والاجتماعي.
خطاب ينتزع الانسانية أو يحرض بالعنف – دراسة مصطلح «الشفشفة» وتحوره في الخطاب الرقمي
ظهر مصطلح «الشَّفْشَفَة» أو «الشَّفْشَافين» وسط سكان العاصمة السودانية الخرطوم في الأشهر الأولى من الحرب. ونسب المصطلح في بادئ الأمر إلى عمليات النهب المسلح والمنظم والاستيلاء على الممتلكات داخل الأحياء والأسواق والمنازل على أيدي عناصر «الدعم السريع» داخل العاصمة. في مدّة البحث من 15 نوفمبر 2024 إلى 15 نوفمبر 2025، تصاعد استخدام المصطلح مجددًا. ولم يُستخدم المصطلح من قبل حسابات عشوائية أو أفراد متضررين فقط، بل في خطابات أفراد من القوات المسلحة أيضًا لوصف أفعال «الدعم السريع»، وازداد تصاعد انتشار المصطلح واتسع نطاق وصول هذه الخطابات. ويشير الباحث أحمد قاضي إلى أنّ النزاعات تشهد غالبًا محاولات لشرعنة بعض المصطلحات من قبل النخب السياسية وهياكل السلطة.
أمثلة على استخدام مصطلح «الشفشفة» لوصف قوات الدعم السريع وحلفائها:
الصورة (19): مثال على استخدام مصطلح «الشفشفة» لوصف قوات الدعم السريع
«الشفشفة» من خطاب معادي لجرائم «الدعم السريع» إلى خطاب مناطقي:
سرعان ما توسع انتشار الخطاب، إذ استخدمه مؤيدو الجيش السوداني لوصم جماعي لقبائل دارفور وكردفان، التي تواجه هجومًا متواصلًا جراء التصوّر السائد بأنها حواضن اجتماعية لـ«الدعم السريع»، مما زاد استخدام المصطلح وتداوله.
الصورة (20): مثال على تعميم مصطلح «الشفشفة» على القبائل
وتبيّن أن دلالة المصطلح لم تظل ثابتة، إذ يكشف تحليل رصد وسائل التواصل الاجتماعي أنّه مع انتشار المصطلح، أعاد عناصر «الدعم السريع» ومناصروها توظيف المصطلح في خطابهم، ليشير إلى مدنيين متهمين يُنظر إليهم بوصفهم «متفلتين» أو مرتبطين بالجريمة أو الفوضى ونهب الأسواق.
وبرزت في هذا السياق عصابات تُعرف بـ«الشفشافة»، وهي شبكات مسلحة أو أفراد ينشطون في عدد من الأحياء، يظهرون أحيانًا بزي «الدعم السريع»، وأحيانًا بزي الجيش، وفي حالات كثيرة بأزياء مدنية. وسعى قادة «الدعم السريع» إلى نفي صلة قواتهم بهذه الأفعال، عبر تسميتها «ظواهر سلبية»، بل وأنشأت إدارة تحت مسمى «محاربة الظواهر السلبية»، في محاولة لتقديم النهب بوصفه سلوكًا معزولًا تقوم به مجموعات «مدنية» خارجة عنها.
ولم يقتصر تحوّل المصطلح على انتقاله من وصفٍ لجرائم «الدعم السريع» إلى توصيف جرائم مدنية فحسب، بل تطوّر أيضًا إلى خطاب ذي حمولة إثنية ومناطقية، أُسقطت عبره تهمة النهب على سكان إقليمي دارفور وكردفان القاطنين في «هوامش» الخرطوم والجزيرة، لاسيما في أحياء مثل «العزبة» و«مايو» في ولاية الخرطوم وبعض أحياء ولاية الجزيرة.
وأسهم هذا التحول في إنتاج وصم جماعي، ترافق مع منشورات تدعو، على نحو مباشر، إلى تهجير هذه الفئات أو نزع صفة المواطنة عنها، ووصمها بالتعاون مع «الدعم السريع».
يشير الأكاديمي والكاتب السوداني عبد الله علي إبراهيم في مقال بصحيفة «ذي إندبندنت»، إلى أن «مواطني الظواهر السلبية» هم فئة حضرية –غالبًا من سكان الصفيح والكرتون في شمال السودان، على سبيل المثال ما يعرف بـ«الحزام الأسود» في الخرطوم– تشعر بتراكم مظالم تجاه الدولة، وتعتقد أنها همّشتها أو تخلّت عنها.
ومع انهيار مؤسسات الدولة في بعض المناطق خلال سيطرة قوات الدعم السريع، وجدت هذه الفئة فرصة للتعبير عن غضبها المتراكم، وهو ما تجلى في النهب والانفلات.
مثّل توظيف قوات الدعم السريع لهذه الظاهرة في خطابها الإعلامي أداةً إستراتيجية لإعادة توجيه الاتهام؛ إذ جرى إسناد أعمال النهب مباشرةً إلى «مواطني الظواهر السلبية»، بما يسهم في إبعاد المسؤولية عن القوات نفسها، وربط هذه الممارسات بفئات اجتماعية تعاني أصلًا من الوصم، ومرتبطة في الخطاب العام بتفشي الجريمة والفساد.
أمثلة على استخدام مصطلح «الشفشفة» في خطاب مناطقي ووصف إثنيات أو مجموعات سكانية:
الصورة (21): مثال على استخدام مصطلح «الشفشفة» في خطاب مناطقي أو إثني
الصورة (22): مثال على استخدام مصطلح «الشفشفة» في خطاب مناطقي أو إثني
وبالتزامن مع تصاعد خطاب الكراهية الموجّه ضد ساكني «هوامش» الخرطوم والمدن الأخرى، من الذين وُصموا بأنهم «شفشافة»، امتدّ الخطاب من الفضاء الرقمي إلى الواقع، وبرزت دعوات صريحة تحرض على «تنظيف المناطق العشوائية وأحياء الصفيح».
ونفذ جهاز حماية الأراضي وإزالة المخلفات بولاية الخرطوم، في مارس 2025، حملة واسعة لإزالة «العشوائيات» في منطقة «العزبة» ببحري، تنفيذًا لتوجيهات الولاية بإزالة «السكن العشوائي»، بسبب ما وُصف بـ«المُهدِّدات الأمنية والظواهر السلبية المُرتبطة به»، وتصنيف هذه المناطق بأنها «حواضن اجتماعية». وأعقب ذلك موجة من المنشورات التي احتفت بالحملات ودعمتها. انظر إلى الصور أدناه.



الصور (23) و(24) و(25): أمثلة على خطابات تحريضية ضد أحياء معينة
الخاتمة: الأثر الواقعي لخطاب الكراهية الرقمي
في سياق النزاع المسلح الجاري في السودان، لم تقتصر المواجهات على المجال العسكري أو الجغرافي، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث أضحت وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية المختلفة ساحةً موازيةً للنزاع. ولم تعُد هذه المنصات مجرد أدوات للتواصل أو نقل الأخبار، بل تحولت إلى بُنى تحتية للصراع السياسي والاجتماعي، إذ تضطلع بدور محوري في نشر خطاب الكراهية وتضخيمه عن طريق إنتاج السرديات وإعادة تشكيلها، وتعبئة العنف الرمزي والمادي على حد سواء.
سعى هذا البحث إلى تحليل أنماط انتشار خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي السوداني مع التركيز على كيفية توظيف هذا الخطاب في التعبئة السياسية والاجتماعية، استنادًا على منهجيتين متكاملتين (استطلاع رأي عام ورصد محتوى وسائل التواصل الاجتماعي)، في المدة من نوفمبر 2024 إلى نوفمبر 2025.
ويكشف التحليل أن خطاب الكراهية لا يعمل فقط أداةً لغوية، بل منظومة دينامية تتشكل وتُعاد صياغتها تبعًا لتحولات الواقع السياسي والاجتماعي، بما يُبرز تداخل الخطاب الرقمي مع ممارسات العنف والإقصاء على الأرض. وفي هذا السياق، يشير التحليل إلى عدة أمثلة حية على الآثار المترتبة على تصاعد خطاب الكراهية والعنف والاستقطاب، وإلى الدور المحوري الذي تضطلع به وسائل التواصل الاجتماعي، لا سيما «فيسبوك» و«تيك توك»، في تفشي خطاب الكراهية.
وأشارت تقارير سابقة لسوداليتيكا إلى أن دور هذه المنصات لم يقتصر على أن تكون فضاءات للتعبير والتفاعل، بل تحولت إلى بيئات تُسرّع انتشار الخطابات الإقصائية وتعيد إنتاج السرديات العدائية على نطاق واسع.
ويعمل الفاعلون على نشر الخطاب على هذه المنصات، على نحو منظم، مما يساهم في تضخيم الخطاب وتطبيع استخدام المصطلحات ذات الدلالات العنصرية في الخطاب اليومي، ويعقّد جهود مكافحة الخطاب السائد، ويزيد وتيرة تأثيره في أرض الواقع.
ويتجاوز الخطاب المنتشر كونه سردية أو مجموعة منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي لتكون أداةً فعالة لتأجيج الصراع والانقسامات المجتمعية والاستقطاب في حرب رقمية متزامنة مع النزاع الجاري.
في هذا الإطار، توصي خطة عمل الرباط بشأن حظر الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية، والتي أُقرت في عام 2018، باعتماد تشريعات وطنية شاملة لمكافحة التمييز، مع إجراءات وقائية وعقابية من أجل المكافحة الفعالة للتحريض على الكراهية، وتمكين الأقليات والفئات الضعيفة.
ولكن، يشير تقرير «خطاب الكراهية في السودان: محرّك للنزاع والنزوح» إلى الأطر القانونية والتشريعات في السودان ضمن التحديات المرتبطة بزيادة الاستقطاب، إذ استُخدم قانون مكافحة جرائم المعلوماتية (2018) –الذي سُنّ رسميًا لمكافحة خطاب الكراهية والأخبار الزائفة– لقمع المعارضين في بعض الحالات، لا سيما الناشطين والصحفيين الذين يتحدّون الرواية الرسمية للدولة.
في السياق السوداني، تُوظَّف المعلومات في كثير من الأحيان توظيفًا مضلِّلًا أو تقدّم خارج سياقها على نحو ممنهج، ويجري تضخيمها عبر توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي والحسابات الوهمية التي تعمل على تكثيف نشر الخطاب نفسه وإعادة إنتاجه على نطاق واسع، مما يسهم في التأثير في الرأي العام وخدمة أهداف سياسية وإستراتيجية. وتوفّر وسائل التواصل الاجتماعي بيئة منخفضة التكلفة وواسعة الانتشار تتيح تسريع تداول هذا النوع من المحتوى وتعزيز حضوره في الفضاء الرقمي.