العنف الميسّر تقنيًّا ضد النساء في السودان.. الأنماط ومسارات الإبلاغ ودور المنصات الرقمية

إجتماعي

«شتَمَنا بأمهاتنا وآبائنا في المنشور، وشعرتُ بأنّ هذا الأمر سيكون مؤلمًا جدًا لأسرتي إن رأوه»

بهذه الكلمات روت سارا (اسم مستعار) لـ«سوداليتيكا» ما كان يدور في خلدها عندما طالعت منشورًا على «فيسبوك» من عضو سابق في لجنة المقاومة التي تنتمي إليها. فقد عَمَدَ إلى نشر صورتها هي ورفيقاتها، وتشويه سُمْعَتهن، في محاولة لاغتيالهن معنويًا، إلى جانب توجيه شتائم طالت الوالدين والأسر، إثر خلاف تنسيقي داخل اللجنة.

سارا وصديقاتها لسنَ حالةً فردية، إذ ظلت شبكات التواصل الاجتماعي مساحات مفتوحة لتوظيف النوع الاجتماعي كأداةَ عنف، بهدف إحداث صدمة نفسية وضغط أسري واجتماعي يستثير مخاوف العار الاجتماعي.

ويمتدّ العنف الميسّر تقنيًا ضد النساء في السودان عبر تاريخ طويل من الوصم والتمييز ضد النساء في الفضاءين العام والخاص. فقد واجهت النساء السودانيات استهدافًا رقميًا متكررًا، وتشهيرًا، وخطابات كراهية جندرية، صُممت خصيصًا لإسكاتهن، وتحجيم مشاركتهن العامة.

وعلى الرغم من أنّ العنف الميسّر تقنيًا ضد النساء في السياق السوداني ليس وليد الحرب، فإنّ استمرار الحرب وتحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة موازية للصراع السياسي والعسكري والاجتماعي وضَعَ النساء السودانيات في مواجهة هذه الظاهرة المتصاعدة على نحو ملحوظ.

ولا يمكن فهم ذلك بمعزل عن السياق الأوسع الذي تُمارس فيه أشكال التمييز والعنف ضد النساء. فالفضاء الرقمي يعيد إنتاج البُنى الاجتماعية والسياسية القائمة ويضخّمها. ومع الحرب، تداخلت الانقسامات السياسية والعسكرية والإثنية مع التحيزات الجندرية، لتفرز أنماطًا جديدةً وأشدّ حدةً من الاستهداف الرقمي، طالت مشاركة النساء في المجال العام، ومواقفهن السياسية، وهوياتهن الاجتماعية، وحتى حضورهن الشخصي على منصات التواصل الاجتماعي.

تعريف العنف الميسّر تقنيًا

تعرّف هيئة الأمم المتحدة للمرأة العنف الميسّر تقنيًا ضد النساء بأنه «أيّ فعل يُرتكب أو يُسهَّل أو يُفاقَم أو يُضخَّم من خلال استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أو غيرها من الأدوات الرقمية، ويؤدي أو يُحتمل أن يؤدي إلى ضرر جسدي أو جنسي أو نفسي أو اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي، أو إلى انتهاك الحقوق والحريات الأخرى». وتوضح الأمم المتحدة أنّ «هذا النوع من العنف يؤثر على النساء والفتيات بشكل غير متكافئ، ويُعيد هذا العنف إنتاج الأعراف والقوالب الجندرية السائدة عبر توظيف البدائل التقنية الموازية للمراقبة والسيطرة والإيذاء».

المنهجيّة

يحلّل هذا التقرير أنماط العنف الميسّر تقنيًا ضد النساء في السودان خلال الحرب، عبر رصد أنماطه وآليات ممارسته، وتحديد الفئات الأكثر عرضة للاستهداف، واستكشاف روابطه بالسياقات السياسية والعسكرية والاجتماعية التي أنتجتها الحرب. كما يسلط الضوء على دور المنصات الرقمية في تضخيم هذا العنف، ويستعرض مسارات الحماية والعدالة المتاحة للمستهدفات. ويختتم التقرير بتوصيات عملية تتضمن إصلاحات تشريعية وقانونية ومقترحات تتعلق بحوكمة المنصات ومسؤولياتها التقنية إلى جانب توصيات موجّهة إلى منظمات المجتمع المدني والمبادرات الإنسانية والجهات الدولية المانحة.

يعتمد هذا التقرير منهجيةً بحثية متعددة الأدوات، تدمج بين الأساليب الكمية والنوعية، لتقديم فهم أشمل للعنف الميسّر تقنيًا ضد النساء في السودان خلال الحرب. وتمثّل الجانب الكمي في استطلاع للرأي العام أُجري في مايو 2026، واستغرق أسبوعين، وشمل 89 مشاركًا ومشاركة. وفي الجانب النوعي، أجريت ثلاث مقابلات مع صحفيات وناشطات تعرضن لأشكال مختلفة من العنف الرقمي في خضم الحرب.

كما استند التقرير إلى رصد المحتوى العنيف على منصات التواصل الاجتماعي المنشور على «فيسبوك» و«تيك توك» ومنصات أخرى، وتحليله. وشمل ذلك تتبع المنشورات والتعليقات والوسوم والحملات الرقمية المرتبطة باستهداف النساء، فضلًا عن تحليل أنماط الخطاب السائدة، وآليات التضخيم والتنسيق، وأشكال انتهاك الخصوصية والتشهير والتحريض.

الجزء الأول: ما هو رأي المشاركين؟

جُمعت بيانات الاستطلاع على مدى أسبوعين خلال مايو 2026. وبلغ إجمالي المشاركين والمشاركات في الاستطلاع 89 مشاركًا ومشاركة

ويشير تحليل النوع الاجتماعي إلى مشاركة مرتفعة للإناث، إذ شكّلن النسبة الأكبر من العينة بواقع 79.8% (71 مشاركة)، في حين شكّل الذكور 15.7% (14 مشاركًا)، وفضّل 4.5% (4 مشاركين) عدم الإفصاح عن نوعهم الاجتماعي. وهو ما يُظهر حضورًا ملحوظًا للنساء في الاستطلاع، لارتباط موضوعه بالعنف الميسّر تقنيًا ضدهن.

الشكل (1): توزيع النوع الاجتماعي للمشاركين

أما من حيث مكان الإقامة، فقد أظهرت النتائج أنّ 56.2% من المشاركين والمشاركات (50 مشاركًا ومشاركة) يقيمون خارج السودان، مقابل 43.8% (39 مشاركًا ومشاركة) يقيمون داخل السودان. وتشير هذه النسبة إلى حضور لافت لأصوات السودانيين والسودانيات في الشتات، إلى جانب المشاركين والمشاركات من داخل السودان، بما يُبرز تداخل التجارب الرقمية المرتبطة بالنزاع والهجرة والنزوح.

الشكل (2): التوزيع الجغرافي للمشاركين

وفيما يخص الفئات العمرية، تمثّل الفئة بين (25 – 34) عامًا أكبر الفئات المشاركة، بنسبة 37.1% (33 مشاركًا ومشاركة)، تليها الفئة العمرية بين (35 – 44) عامًا، بنسبة 28.1% (25 مشاركًا ومشاركة). في حين تساوت الفئتان (18 – 24) عامًا و(45 – 54) عامًا في نسبة المشاركة التي بلغت 12.4% لكلٍّ منهما (11 مشاركًا ومشاركة لكلّ فئة). أما الفئة بعمر 55 عامًا أو أكثر، فقد بلغت نسبة المشاركين والمشاركات منها 10.1% (9 مشاركين ومشاركات). وتوضح هذه النتائج أنّ أغلب المشاركين والمشاركات ينتمون إلى الفئات العمرية الشابة ومتوسطة العمر، وهي الفئات الأكثر استخدامًا للمنصات الرقمية وتفاعلًا عليها.

الشكل (3): الفئات العمرية للمشاركين

وعلى صعيد المستوى التعليمي، أظهرت نتائج الاستطلاع أنّ معظم المشاركين والمشاركات حظوا بتعليم جامعي، إذ جاءت نسبتهم 67.4% (60 مشاركًا ومشاركة)، في حين بلغت نسبة الحاصلين والحاصلات على تعليم فوق جامعي (دراسات عليا) 29.2% (26 مشاركًا ومشاركة)، وشكّل المشاركون والمشاركات في مستوى التعليم الثانوي 3.4% فقط (3 مشاركين ومشاركات). ويشير ذلك إلى أنّ معظم أفراد العينة من ذوي التعليم العالي، وهو ما قد يؤثر في طبيعة التفاعل مع قضايا السلامة الرقمية والعنف الميسّر تقنيًا.

الشكل (4):  المستوى التعليمي للمشاركين

نتائج الاستطلاع

هل زاد استهداف النساء رقميًا منذ اندلاع الحرب؟

أشارت نتائج الاستطلاع إلى وعي واسع بتصاعد العنف الميسّر تقنيًا ضد النساء منذ اندلاع الحرب، وتحول منصات التواصل الاجتماعي من فضاءات للتواصل وتبادل المعلومات إلى ساحات تتقاطع فيها الاستقطابات السياسية والعسكرية والاجتماعية.

وفي هذا السياق، أكّدت هيئة الأمم المتحدة للمرأة أنّ عدد الأشخاص المعرضين للعنف تضاعف ثلاث مرات منذ اندلاع الحرب، ليزيد على 12 مليون شخص، معظمهم من النساء والفتيات النازحات. وعلى ضخامة هذه الانتهاكات، تحجم كثير من الضحايا عن الإبلاغ عنها.

الشكل (5): مستوى استهداف النساء رقميًا منذ بداية الحرب

على أيّ منصات؟

بحسب تحليل نتائج الاستطلاع، تصدّرت «فيسبوك» قائمة المنصات التي يرى المستجيبون أنها الأكثر تداولًا لهذا النوع من الخطاب، كما برزت «تيك توك» بوصفها ساحةً متناميةً لإنتاج هذا النوع من المحتوى وتداوله، مما يشير إلى تصاعد دور المقاطع المرئية القصيرة في توسيع نطاق الاستهداف والوصول إلى جمهور أوسع. 

وتؤكد إيمان (اسم مستعار لناشطة نسوية وسياسية) هذا المنحى، لافتةً إلى أنّ الهجمات التي تواجهها النساء على «تيك توك» تتركّز غالبًا على أجسادهن ومظهرهن الخارجي، لا على آرائهن أو مواقفهن.

وفي المقابل، برز تطبيق المراسلة «واتساب» بوصفه إحدى المنصات التي يتفشى عبرها هذا النوع من الخطاب، مستغلًا صعوبة رصد المحتوى المتداول داخلها. وتتفق هذه النتائج مع الأبحاث المحدودة التي خلصت إلى أنّ منصتيْ «فيسبوك» و«واتساب» من بين المنصات الأكثر ارتباطًا بانتشار خطابات العنف ضد النساء.

الشكل (6): منصات التواصل الاجتماعي التي تشهد انتشارًا أوسع لخطابات العنف والاستهداف الرقمي ضد النساء

ما هي أنماط الاستهداف؟

برز التشهير والشتم والاتهامات الأخلاقية بوصفها أبرز أنماط العنف التي أشار إليها المستجيبون، إلى جانب الإساءة اللفظية والاتهامات الأخلاقية، وهي أنماط تستهدف، بالدرجة الأولى، الصورة الاجتماعية للنساء والنيل من مصداقيتهن أو مكانتهن في المجتمع. 

وأظهرت نتائج الاستطلاع أيضًا أنّ المستجيبين يرون نشر البيانات الشخصية أو الصور دون استئذان ضمن أنماط العنف المتكررة.

وعلى صعيد متصل، برزت أنماط أخرى من العنف أكثر مباشرةً، مثل التهديد والابتزاز، في إشارة إلى انتقال العنف من مستوى الخطاب والتشهير إلى محاولات الترهيب والسيطرة بغرض إسكات النساء والحدّ من مشاركتهن في الفضاء العام.

الشكل (7): أبرز أشكال العنف الميسّر تقنيًا ضد النساء

سلوك عفويّ أم منظّم؟

رجّح أكثر من نصف المشاركين والمشاركات أنّ العنف الميسّر تقنيًا ضد النساء يحدث على نحو منظم ومخطط له، مقابل نسبة أقلّ رأته عشوائيًا. ويُظهر ذلك وعيًا واسعًا بوجود حملات رقمية منسقة تستهدف النساء عبر إعادة إنتاج الخطاب ذاته، أو التحريض ضد شخصيات معينة، من خلال توظيف شبكات رقمية تُسهم في تضخيم المحتوى المؤذي وتوسيع نطاق انتشاره. وتؤكد هذه النتائج أهمية مقاربة العنف الميسّر تقنيًا بوصفه ممارسة بنيوية منظمة تستهدف النساء على أساس النوع الاجتماعي أو المواقف السياسية أو الظهور على منصات التواصل الاجتماعي.

الشكل (8): تصورات المشاركين بشأن طبيعة العنف الميسّر تقنيًا ضد النساء 

من هنّ النساء الأكثر استهدافًا؟

تشير نتائج الاستطلاع إلى أنّ العنف الميسر تقنيًا يستهدف بدرجة كبيرة النساء المنخرطات في الفضاء العام، إذ أشار المستجيبون إلى الناشطات السياسيات والمغنيات والإعلاميات بنسب متقاربة، مما يُظهر الوعي بالارتباط بين المشاركة العامة للمرأة واحتمالات تعرضها للعنف الرقمي. 

وأشار المستجيبون كذلك إلى استهداف النساء المنتميات إلى مكونات إثنية أو قبلية معينة، وهو ما قد يرتبط بحالة الاستقطاب الإثني والقبلي التي زادت حدّتها مع الحرب. كما أشارات نسبة أقل من المستجيبين إلى استهداف الناجيات من العنف الجنسي.

وتبيّن الإجابات عن الأسئلة المفتوحة في الاستطلاع أنّ نطاق الفئات المستهدفة أوسع من التصنيفات التقليدية، إذ سلطت الضوء على الهجمات المتصاعدة ضد النساء ذوات الإعاقة وأفراد مجتمع الميم، نتيجة تقاطع أنماط التمييز والإقصاء. وفي السياق ذاته، يبيّن تقرير أمل تعرّض النساء ذوات الإعاقة لعنف أشد قسوة، يشمل السخرية من إعاقتهن واستغلالها للحط من قيمتهن.

ونبّهت بعض الإجابات إلى هشاشة أوضاع صاحبات المهن الهامشية والعاملات خارج الأُطر النقابية أو المؤسسية، لافتقارهن إلى شبكات الحماية والدعم المهني. كما أشارت إلى أنّ الاستهداف لا يرتبط بالضرورة بانتماء سياسي أو مهني محدد، بل بمجرد خروج النساء عن الأدوار الاجتماعية المتوقعة أو تحقيقهن قدرًا من الحضور أو النجاح، إذ أضحى استهداف «النساء الناجحات» نمطًا متكررًا في الفضاء العام.

الشكل (9): النساء الأكثر عرضة للاستهداف الرقمي

الجزء الثاني: ماذا وجدنا على المنصّات؟

يستعرض هذا الجزء من التقرير أنماط العنف الميسّر تقنيًا ضد النساء التي رصدها الفريق في فترة إعداد هذا التقرير.

التشهير

برز التشهير بوصفه أحد أبرز الأساليب المستخدمة ضد النساء السودانيات في الفضاء الرقمي. فعلى سبيل المثال، واجهت الفتيات السودانيات في مصر حملة واسعة تضمنت عنفًا لفظيًا حادًا. وصاحَب هذه الحملة تنميطٌ للفتيات السودانيات في مصر، واتهامات جزافية تهدف إلى استعداء المجتمع ضدهن. 

ولم تقتصر حملات التشهير على الفتيات السودانيات في مصر، بل امتدت لتطال المقيمات في دول الخليج، إذ واجهن على سبيل المثال اتهامات بممارسة الدعارة.

الصورتان (1) و(2): توضحان محتوى تنميطي للسودانيات في مصر

تسريب البيانات الشخصية

وثق الفريق منشورات عديدة على المنصات الرقمية تتضمن صورًا لنساء مصحوبة ببياناتهن، شملت في بعض الحالات الأسماء وأماكن الإقامة ووسائل التواصل وغيرها من البيانات الحساسة. ويُعدّ هذا النمط أحد أشدّ أشكال العنف الرقمي خطورةً، إذ يكشف هويات الناجيات ويعرضهن وأسرهن لمخاطر أمنية واجتماعية مباشرة، كالتهديد والتحرش والملاحقة، فضلًا عن آثاره بعيدة المدى على الخصوصية والسلامة الشخصية.

الصورة (3): توضح تسريب بيانات شخصية لامرأة واتهامها بالتعاون مع «الدعم السريع»

ورصد فريق البحث تحوّل صور النساء وبياناتهن الشخصية إلى مادة تتداولها بعض الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، إذ نشِط حساب «بارود» على منصة «تيك توك»، خلال عام 2025 ومطلع عام 2026، في الإساءة إلى النساء والتشهير بهن. وعمد الحساب إلى ترويج صورة نمطية سلبية عن السودانيات المقيمات في مصر والإمارات ودول أخرى، عبر ربطهن بالدعارة وتوجيه اتهامات تهدف لتشويه السمعة واستعداء المجتمع.

كما رصد الفريق تعمّد «بارود» نشر معلومات تخصّ عددًا من النساء، لا سيّما الفنانات، متطرقًا إلى جوانب من حياتهن الخاصة وأعمالهن وعلاقاتهن الشخصية، فضلًا عن الكشف عن مقار عملهن.

الصورتان (4) و(5): توضحان لقطات من مقاطع فيديو لـ«بارود»

«دعم أسرتي كان طوق نجاتي.. لكن ماذا عن اللاتي لم يُسعفهن الحظ مثلي؟»

بهذه الكلمات ختمت إحدى المشاركات شهادتها بشأن حملة تشهير رقمية تعرضت لها على «فيسبوك». فقد استيقظت فاطمة (اسم مستعار)، ذات صباح، على صوت صديقتها التي وجدت صورها على مجموعة من الحسابات والصفحات، مرفقة بمعلومات عن أسرتها وعنوان سكنها، مع وابل من الشتائم والاتهامات التي تثير عداء المجتمع ضد النساء. 

كانت فاطمة، آنذاك، إحدى السودانيات المؤثرات اللائي يناقشن قضايا مجتمعية مختلفة. ومع أنّ هذا النمط من العنف لم يكن جديدًا بالنسبة إليها، فإنّ ما أخافها هذه المرة هو كثافة النشر وكم المعلومات التي نُشرت عنها وعن أسرتها. ووصفت أثر ذلك على نشاطها على منصّات التواصل الاجتماعي قائلةً: «لم أعُد أكتب شيئًا على حساباتي؛ الخوف جعلني أختار الصمت».

تُهَم التعاون والتخابر

أقحمت النساء في معادلة الحرب بوصفهن طرفًا ثالثًا يُشتبه في نقله المعلومات العسكرية أو الاستخباراتية، بما في ذلك الإحداثيات ومواقع تمركز القوات وتحركاتها.

ولرصد ذلك، راجع فريق البحث عددًا من المنشورات المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيّما «فيسبوك» و«تيك توك»، تضمنت اتهامات موجهة ضد نساء بالتعاون أو التخابر لمصلحة أحد الطرفين المتحاربين. واعتمدت عملية الرصد على مجموعة من الكلمات المفتاحية، من بينها: (متعاونات، ومتعاونات دعم سريع، ومتعاونات جيش)، بالإضافة إلى الصيغ المرتبطة بالمناطق الجغرافية مثل «متعاونة الكلاكلة» وغيرها من المصطلحات المتداولة في سياق الحرب.

وأظهرت نتائج الرصد انتشار محتوى يتضمن صور نساء أو بياناتهن الشخصية، بما في ذلك الإشارة إلى أماكن إقامتهن، مصحوبةً باتهامات مباشرة أو ضمنية بالتعاون مع أحد أطراف الحرب. وفي كثير من الحالات، تُداولت هذه الادعاءات على نطاق واسع دون تقديم أدلة موثوقة أو الإشارة إلى إجراءات قانونية أو تحقيقات رسمية تدعمها، مما يضاعف احتمالات التحريض ضد النساء المستهدفات.

الصور (5) و(6) و(7): توضح نماذج لاتهام نساء بالتعاون ونشر بياناتهن الشخصية

العاملات في المهن الهشّة

مع اندلاع الحرب، جرى تصوير بائعات الشاي على أنهن متعاونات مع أطراف الحرب، وبالأخص مع قوات الدعم السريع. وأسهمت هذه الصورة النمطية في تأجيج حملات التحريض والاستهداف ضدهن. 

وكان استهداف بائعات الشاي جزءًا من نمط أوسع من حملات تحريض على العاملين في المهن الهشّة وغير المهيكلة، وهو استهداف شاركت فيه السلطات أحيانًا.

الصور (8) و(9) و(10) و(11): توضح اتهامات لبائعات شاي بالتعاون مع «الدعم السريع»

تحريض على الجرائم الجنسيّة

تمارس الجرائم الجنسية في الحرب بوصفها إستراتيجية متعمدة وممنهجة تهدف إلى تفكيك النسيج الاجتماعي، وإخضاع المجتمعات المحلية، وإرغام السكان على النزوح القسري، وكسر التماسك الاجتماعي للمجموعات التي تُصنف على أنها معادية. 

وامتدت هذه الإستراتيجية لتشمل التهديد بالعنف الجنسي أداةً للترهيب، إذ رصد فريق البحث على سبيل المثال شخصية تُدعى «النقيب شيراز» في الفضاء الرقمي السوداني مطلع عام 2025. وظهرت شيراز، المنسوبة إلى قوات الدعم السريع، في مقاطع فيديو وسط عناصرها، وهي تحثهم على القتال. وبرز اسمها على نطاق واسع عقب تداول مقطع فيديو تحرّض فيه عناصر «الدعم السريع» على التوجّه إلى الولاية الشمالية والاعتداء جنسيًا على نسائها، لإنجاب جيل جديد من رجال «الدعم السريع». 

وتتضاعف خطورة هذا النوع من الخطابات عند صدوره عن شخصيات مؤثرة في الأوساط المؤيّدة للأطراف المتحاربة، إذ يُسهم في تطبيع العنف الجنسي وتقديمه بوصفه سلوكًا مشروعًا أو مقبولاً في سياق الحرب.

الصورتان (12) و(13): توضحان ظهور للنقيب شيراز في مقطع فيديو

وسوم مشتركة وسلوك زائف

يبرز توظيف الوسوم من بين الأساليب الأساسية التي اعتمدتها بعض حملات العنف ضد النساء، إذ لاحظ فريق البحث أنّ جانبًا كبيرًا من المحتوى الذي رصده، لا سيّما المنشورات التي تتضمن اتهامات لنساء بالتعاون مع قوات الدعم السريع، نُشر مع وسميْ «#أنتم_لستم_آمنين» و«#لستم #آمنين». وتكمن أهمية هذه الخلاصة في أنّ الفريق وثّق سابقًا توظيف هذه الوسوم في حملات منسّقة على منصات التواصل الاجتماعي.

ففي رصد سابق، تحقق فريق المرصد من ارتباط الوسوم بشبكة سلوك زائف منسّق على منصة «فيسبوك»، وظفت صورًا وبيانات شخصية لمدنيين ومدنيات في توجيه اتهامات بالانتماء إلى قوات الدعم السريع أو العمل لمصلحتها، مصحوبةً بدعوات إلى ملاحقتهم واعتقالهم. وبمقارنته بالرصد الحالي، لاحظ الفريق توظيفًا مفرطًا للوسوم في المنشورات التي تتهم نساءً بالتعاون مع قوات الدعم السريع، مما أسهم في إعادة تدوير المحتوى وتوسيع نطاق انتشاره.

الصورتان (14) و(15): توضحان توظيف وسم «#أنتم_لستم_آمنين» في محتوى يستهدف النساء

مع أي من الطرفين؟

فحص فريق البحث منشورات متداولة على منصات التواصل الاجتماعي، ولا سيّما «فيسبوك»، تضمنت اتهامات أخلاقية ضد صحفيات ومغنيات وناشطات، جراء مواقفهن من الأطراف المتحاربة. ولاحظ الفريق أنّ الاستهداف تركّز ضد النساء الأكثر حضورًا وشهرة ممن انخرطن على نحو لافت في النقاشات العامة المرتبطة بالحرب على منصات التواصل الاجتماعي.

وأظهرت نتائج الرصد تعرّض الصحفيات لموجات واسعة من العنف جراء عملهن المرتبط بأطراف الحرب. فقد تعرضت الصحفية عائشة الماجدي، المحسوبة على الجيش السوداني، لحملة عنف واسعة، تضمنت اتهامات أخلاقية وطعنًا في الشرف ونشر محتوى يتضمن إسقاطات بذيئة. 

وفي السياق نفسه، واجهت صحفيات عديدات اتهاماتٍ بتلقي معلومات سرية، خاصةً من قادة الجيش، مما عرّضهن لإساءات أخلاقية وأوصاف مشينة حتى من أشخاص داعمين للجيش، مما يدل على أنّ عسكرة الخطاب الرقمي ضد النساء لا تقتصر على هجمات الطرف المناوئ، بل تضعهن في مواجهة عنف عابر للانحيازات السياسية.

الصورة (16): توضح محتوى مسيء واتهام لصحفيات

كذلك وثّقت نتائج الرصد محتوى عنيفًا يتضمن اتهامات مسيئة. فعلى سبيل المثال، تعرضت المحامية نفيسة حجر لهجوم تضمن عنفًا لفظيًا عقب نشرها مقالًا انتقدت فيه أحد الصحفيين.

الصورة (17): توضح استهداف نفيسة حجر

تأتي المغنيات والفنانات في مقدمة الفئات الأكثر عرضةً للاستهداف، إذ تتحول الشخصيات الفنية في أوقات النزاعات إلى رموز ثقافية تُسقط عليها الأطراف المتصارعة مواقفها السياسية. وتجلى هذا في حالة الفنانة ندى القلعة، التي أعلنت منذ بداية الحرب انحيازها إلى الجيش السوداني، وطرحت أغنيات عديدة داعمة له ولمقاتليه، مما جعلها رمزًا فنيًا وثقافيًا يمثل الجيش السوداني. 

ونتيجة لعسكرة الخطاب الرقمي، واجهت ندى موجة عاتية من الانتقادات والإساءات والنعوت المشينة، فإثر ظهورها في مقطع فيديو تؤدي فيه استعراضًا غنائيًا من تراث المسيرية، تعرضت لعنف لفظي مباشر، تضمن إسقاطات ذات طابع جنسي طالتها، وامتدت إلى نساء شمالي السودان ونهر النيل، بدعوى أنها تمثلهن. 

وعلى صعيد متصل، واجهت الفنانة إنصاف مدني هجومًا حادًا، إثر مشاركتها في «مهرجان السودان» بمدينة دبي الإماراتية. وجاء الهجوم بدعوى ترديدها اسم قائد «الدعم السريع» خلال وصلتها الغنائية. وتضمن الهجوم إساءات ذات طابع جنسي طالت حتى أسرتها، رغم نفيها القاطع لأيّ إشارة سياسية في غنائها. 

ويُظهر هذا الاستهداف الوضع الحرج للفنانات السودانيات، إذ يواجهن ضغوطًا لتبني مواقف سياسية وإعلان انحيازات واضحة، ويتعرضن لموجات من العنف نتيجة لعسكرة الخطاب الرقمي.

الصورة (18): توضح هجومًا على الفنانة إنصاف مدني

ولا يقتصر الاستهداف السياسي على المشاهير من النساء. فعلى سبيل المثال، رصد الفريق حساب «رانيا حسن الخضر» الذي أنشئ في 2019، وكان يقتصر على المحتوى الأسري المعتاد، قبل أن ينخرط لاحقًا في العمل الإنساني عبر جمع التبرعات ونشر الاحتياجات الإنسانية. ومنذ اندلاع الحرب، غدا حسابها نشطًا، وتركّز نشاطها منذ عام 2025 على دعم قادة الجيش السوداني وضباطه.

غير أنّ هذا الانحياز الواضح إلى الجيش لم يجنّبها موجات من العنف الرقمي من منصات موالية للجيش نفسه. وتنوعت أنماطه بين التحرش والتهديد بالاعتداء الجسدي، فضلًا عن فبركة الصور والإسقاطات ذات الطابع الجنسي. 

وركّز حساب رانيا على نشر تحركات الجيش والاحتفاء باستقطاب قادة من «الدعم السريع» وقرارت إقالة بعض الضباط، مما عرضها لموجة انتقادات حادة ممن رأوا في منشوراتها استفزازًا ومساسًا بالمؤسسة العسكرية وضباطها. وشملت هذه الموجة عنفًا لفظيًا وإسقاطات ذات طابع جنسي، مصحوبة بمزاعم تروّج ارتباطها بضباط كبار يوفرون لها غطاءً لانتقاد ضباط آخرين، وهو ما أجج التحريض ضدها، وسط مطالبات بحبسها. كما واجهت حملات تضليل، تضمنت فبركة صور وأخبار تزعم صلتها بالنور القبة، عقب انشقاقه عن «الدعم السريع».

وتكمن أهمية هذه الحالة في إبرازها أنّ العنف الميسّر تقنيًا ضد النساء في سياق الحرب يرتبط في تصاعده وتحوله بموقفهن من أطراف الحرب، ومدى انخراطهن في نقاش مجرياتها على منصات التواصل الاجتماعي.

الصورتان (19) و(20): توضحان منشورًا لرانيا الخضر وعنفًا لفظيًا ضدها من جانب آخر

البنية التقنية والتجارية للمنصات.. شريك في تضخيم العنف

يُسهم القصور في سياسات إدارة المحتوى وآليات الإشراف والرقابة، في توسع انتشار العنف الميسّر تقنيًا ضد النساء على المنصات الرقمية، نتيجة التراخي في رصد المحتوى المسيء أو التأخر في إزالته. فعندما تخفق أنظمة الإشراف في رصد التهديدات، وخطاب الكراهية القائم على النوع الاجتماعي، والتحرش، والتشهير، أو في اكتشاف الصور والبيانات الشخصية المنشورة دون موافقة أصحابها، يظلّ هذا المحتوى متاحًا لأوقات أطول، مما يتيح تداوله على نطاق أوسع ويفاقم تأثيره في الضحايا.

التحيّز الخوارزمي

لا تقتصر منصات التواصل الاجتماعي على كونها فضاءً لممارسة العنف القائم على النوع الاجتماعي والعنف الرقمي عمومًا، بل تحيلها بنيتها التقنية والاقتصادية إلى شريك فاعل في تضخيم العنف وتسهيل انتشاره. فخوارزميات التوصية بالمحتوى مصمّمة لدعم التفاعل، مما يعني منح الأولوية للمحتوى المثير للجدل أو العنيف أو المسيء الذي يحظى بمعدلات تفاعل عالية، ونشره على نطاق أوسع، دون اعتبار لمضمونه. 

وقد وثّق فريق «سوداليتيكا» سابقًا كيف تحوّل هذا النمط في السياق السوداني إلى آلية ممنهجة للتربّح، إذ استغلت بعض الحسابات خوارزميات التفاعل لتحقيق مكاسب مالية مباشرة عبر بثوث مرئية تستهدف النساء السودانيات بالتشهير الجنسي والابتزاز.

الفجوة اللغوية

يُضاف إلى ذلك قصور بنيوي في منظومة الإشراف على المحتوى باللغة العربية واللغات المحلية. فأنظمة الإشراف الآلي التي تعتمدها المنصات الكبرى طورت في الأساس اعتمادًا على اللغة الإنجليزية، وغالبًا ما يُترجم المحتوى المنشور باللغة المحلية آليًا قبل مراجعته، مما يجرده من سياقه الثقافي والاجتماعي. 

وقد وثّق مركز الديمقراطية والتكنولوجيا (CDT) أنّ بعض المشرفين يكلّفون بمراجعة محتوى منشور بلهجات لا يفهمونها، في حين تفتقر نماذج الذكاء الاصطناعي المستخدمة في الإشراف إلى بيانات تدريب كافية باللغة العربية وغيرها من اللغات، مقارنةً بالإنجليزية.

ورصد معهد الجزيرة للإعلام تفاوتًا ملحوظًا في الجهود التي تبذلها منصات التواصل الاجتماعي في الإشراف على المحتوى، بحسب المناطق الجغرافية، وهو ما يشير إلى توجّه تجاري واضح لا مجرد قصور تقني، إذ تحظى الأسواق الناطقة بالإنجليزية بموارد أكبر لتطوير منظومات السلامة والحماية، مقارنةً بغيرها من اللغات. 

وفي السياق السوداني، تُسهم هذه الفجوة في بقاء المحتوى التحريضي ضد النساء متاحًا لفترات طويلة دون أيّ تدخل. وفي أغلب الأحيان، يُتداول ويُعاد نشره على منصات أخرى، مما يُصعّب الحدّ من انتشاره حتى بعد إزالته من المنصة التي نُشر عليها أول مرة. ولا يكفي حذف المحتوى أو حظر الحسابات في الحالات الفردية، في غياب سياسات وفِرق إشراف مستدامة وشاملة.

إنّ ما تواجهه النساء السودانيات في الفضاء الرقمي، لا سيّما في ظل الحرب الجارية، ليست حوادث معزولة، بل نتاج مباشر لمنظومة تجارية تُكافىء الإثارة بالانتشار على حساب سلامة المستخدمين وأمنهم، وتتقاعس عن تخصيص موارد وفرق متخصصة، لحماية المستخدمين الناطقين باللغات المحلية. ولا يمكن معالجة هذا الواقع دون مساءلة المنصات عن خياراتها التصميمية والتجارية التي تُديم انتشار هذا العنف.

مسارات الإبلاغ والحماية

تتوزع مسارات الإبلاغ وطلب الدعم للناجيات من العنف الميسّر تقنيًا ضد النساء في السودان بين أطر رسمية، ومؤسسات مجتمع مدني، وشبكات دعم مجتمعية غير رسمية، إلى جانب أدوات الحماية الرقمية الذاتية. غير أنّ هذا التعدد في المسارات لا يعكس بالضرورة كفاية في آليات الإنصاف، إذ يقابله تحدٍّ مركب يرتبط بصعوبة الوصول إلى العدالة، وتراجع الثقة في المؤسسات القائمة، فضلًا عن العوائق الأمنية والاجتماعية التي تجبر الكثير من الناجيات على العزوف عن الإبلاغ والبحث عن آليات حماية بديلة.

تضم المنظومة الرسمية المفترض بها تقديم الحماية والإنصاف كلًا من الشرطة والأقسام الجنائية، والنيابات المختصة بجرائم المعلوماتية، والمحاكم، بالإضافة إلى الوحدات المتخصصة مثل «وحدة حماية الأسرة والطفل» و«وحدة مكافحة العنف ضد المرأة»، ومفوضية العون الإنساني. وعلى الرغم من وجود هذه الهياكل، فإن واقع الحال يكشف عن محدودية فعاليتها وتدني الثقة العامة بكفاءتها وحيادها. 

وتتجلى هذه الفجوة في شهادات الناجيات؛ إذ روت علا (اسم مستعار) ترددها بعد صدور أمر القبض على المتهم، وقرارها النهائي بسحب البلاغ، قائلةً: «كان قسم الشرطة في حيّنا مشهورًا بالتعذيب، حتى إن أحد المحتجزين قُتل بداخله. ولم نكن نريد أن نكون شريكات في جريمة أخرى». كما تطرقت إلى تعنّت أفراد الشرطة، والترهيب الذي تعرضت له مع صديقاتها عندما بدأ الضابط باستجوابهن عن نشاطهن السياسي بنبرة عدائية، مبيّنةً: «عند وصولنا إلى القسم، انتابني الخوف من أن نتحول من شاكيات إلى متهمات». وأكدت ذلك الناشطة والمحامية التي تحدث إليها فريق البحث: «مع الأسف، مصير قضايا العنف الرقمي مرهون بمزاج الضابط لا بالنصوص القانونية».

وتتضاعف هذه العوائق الشديدة في ظل ظروف الحرب الراهنة في السودان، والتي أدت إلى تعطل شبكات العدالة وتفاقم غياب الحماية القانونية والدعم المؤسسي. 

وفي مقابل تراجع المنظومة الرسمية، تُشكّل المنظمات النسوية والحقوقية ومؤسسات المجتمع المدني المسار الأكثر استجابة لاحتياجات الناجيات. وتتدرج هذه الفئة بين المبادرات المحلية مثل «مبادرة لا لقهر النساء»، ومركز أبحاث المرأة بجامعة الأحفاد، ومنظمة «سيما»، إلى جانب الجمعيات النسوية وغرف الطوارئ والمبادرات المجتمعية الميدانية، وصولًا إلى المنظمات الدولية والأممية مثل «هيئة الأمم المتحدة للمرأة» و«منظمة العفو الدولية». 

وعلى الرغم من أنّ هذه الجهات النسوية والحقوقية تمثل الملجأ الأول والأبرز للمتضررات، فإنّ قدرتها على الاستجابة الشاملة تظل مكبلة بعوائق هيكلية حادة، تتمثّل في محدودية الموارد المالية واللوجستية المتاحة للخدمات المباشرة، وضيق نطاق الانتشار الجغرافي، خاصةً في المناطق الأشد تأثراً بالنزاع المسلح، علاوةً على المخاطر الميدانية والأمنية الجسيمة التي تلاحق النشطاء والفاعلات الحقوقيات.

ويفرض هذا الواقع على العديد من النساء اللجوء إلى الحماية الذاتية عبر مواجهة الابتزاز مباشرةً على المنصات الرقمية، أو تفضيل الحماية المجتمعية والاعتماد على شبكات الدعم القريبة لطلب المساندة النفسية، بدلًا من المسار العدلي، خوفًا من الوصمة الاجتماعية أو الانعكاسات القانونية المضادة. كما يفضّل أغلب المتضررات التزام الصمت وعدم اتخاذ أيّ إجراء رسمي، أو اللجوء إلى تغيير أسمائهن وحساباتهن أو مغادرة المنصات الرقمية تمامًا لتجنب الاستهداف، لا سيّما في بيئة اجتماعية تسود فيها ثقافة لوم الضحية.

يتكامل هذا المشهد مع ما تظهره التقارير الحقوقية الصادرة عن منصات ومبادرات مهتمة بقضايا المرأة مثل منصة «الأمل والعمل»، والتي تؤكد أنّ الخوف من الوصم المجتمعي، مقترنًا بغياب مؤسسات عدلية مستقلة وفاعلة، يدفع قطاعًا واسعًا من النساء إلى التزام الصمت والتنازل عن حقهن في الإبلاغ. فالاعتقاد الراسخ بأنّ الإبلاغ لن يفضي إلى الحماية أو المحاسبة، بل قد يجلب الانتقام والوصم، يجعل تفضيل «عدم الإفصاح» خيارًا اضطراريًا للنجاة.

توصيات

تتطلب مواجهة التحديات العميقة والقصور البنيوي في التصدي للعنف الميسّر تقنيًا ضد النساء في السودان تبني إصلاحات تشريعية، وتقنية، ومؤسسية، ومجتمعية، تعمل على توفير بيئة رقمية آمنة تصون حقوق النساء وتضمن محاسبة مرتكبي الانتهاكات.

الإصلاحات التشريعية والقانونية

على صعيد الإصلاحات التشريعية والقانونية، يتعيّن على السلطات القضائية والجهات العدلية الشروع فورًا في مراجعة القوانين الخاصة بجرائم المعلوماتية وتحديثها لتتضمن تعريفات قانونية واضحة وشاملة لجميع الأنماط المستحدثة من العنف الميسّر تقنيّا، ولا سيّما تسريب البيانات الشخصية وتوجيه الاتهامات الكيدية والطعن الأخلاقي والتشهير في الفضاءات الرقمية؛ والنص على عقوبات رادعة لمرتكبي هذه الجرائم والمحرضين عليها، لضمان إنهاء الإفلات من العقاب في الفضاء الافتراضي.

ومن الأهمية بمكان اعتماد بروتوكولات موحّدة للتحقيق الجنائي والفحص الفني تنظم جمع الأدلة الرقمية وتوثيقها وحفظها، بما يتوافق مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان والمحاكمة العادلة، ويتيح تقديم هذه الأدلة أمام المحاكم الوطنية والدولية لملاحقة الجناة والمسؤولين عن حملات التشويه المنسقة.

كما يتعيّن توفير برامج تدريبية متخصصة ومستمرة للقضاة وأعضاء النيابة وعناصر الأجهزة الشرطية المعنيّة بجرائم المعلوماتية، لتعريفهم بخصوصية العنف الجندري الميسّر تقنيًا، وتمكينهم من  اعتماد مقاربات تراعي النوع الاجتماعي وتصون كرامة الناجيات وتتجنب لوم الضحية والتشكيك في مصداقيتها. علاوةً على تفعيل خطوط ساخنة وقنوات اتصال آمنة ومحمية تتيح للناجيات الإبلاغ وطلب المساعدة القانونية والأمنية دون الخوف من الوصمة الاجتماعية أو الأعمال الانتقامية.

حوكمة المنصات والمسؤوليات التقنية

أمّا على مستوى شركات التكنولوجيا الكبرى وإدارة المنصات الرقمية، فيتعيّن إجراء إصلاحات جوهرية وبنيوية في نماذج أعمالها وخوارزمياتها، لضمان إعطاء الأولوية لسلامة المستخدمين وحقوق الإنسان على اعتبارات زيادة التفاعل وتعظيم الأرباح. ويشمل ذلك تعديل خوارزميات التوصية بالمحتوى، بحيث تتوقف تلقائيًا عن تضخيم المنشورات ومقاطع الفيديو التي تتضمن مؤشرات على الكراهية أو التنمر أو التشهير، إلى جانب مراجعة سياسات الإشراف على المحتوى وفرض عقوبات رادعة، تشمل التعليق الفوري وصولًا إلى الحظر النهائي للحسابات الفردية والشبكات المنظمة التي يثبت تورطها في حملات السلوك الزائف المنسق أو الابتزاز. 

كما ينبغي لهذه الشركات تخصيص موارد مالية وتقنية كافية لتطوير أنظمة الإشراف اللغوي على المحتوى العربي، بمختلف لهجاته المحلية، ومنها العامية السودانية. ويقتضي ذلك توظيف فِرَق بشرية متخصصة تتمتع بفهم عميق للسياقات السياسية، والاجتماعية، والثقافية، وتدرك دلالات التعبيرات والمصطلحات المسيئة والمخاطر المترتبة عليها، بدلاً من الاعتماد الكلي على الترجمة الآلية وأنظمة الذكاء الاصطناعي القاصرة. 

كذلك يتعيّن على المنصات تفعيل بروتوكولات إشراف خاصة تراعي حساسية فترات الأزمات والنزاعات المسلحة، وتضمن المراجعة العاجلة للبلاغات المتعلقة بتسريب البيانات الشخصية والتهديد بالعنف الجنسي والجسدي، لضمان حذف هذا المحتوى ومنع تداوله، بما في ذلك عبر منصات أخرى.  

ومن الضروري أيضًا التعاون الوثيق والمستمر مع المنظمات والشبكات النسوية المتخصصة وإشراكها في صياغة سياسات الإشراف على المحتوى والمعايير المجتمعية للمنصات الرقمية ومراجعتها، بما يضمن مراعاتها للخصوصيات الثقافية لمختلف المجتمعات.  

مساندة الناجيات والتمكين المجتمعي

يتعيّن على منظمات المجتمع المدني والمبادرات الإنسانية والجهات الدولية المانحة تنسيق جهودها لإنشاء شبكات أمان ومراكز دعم محلية متكاملة، تقدّم للناجيات من العنف الرقمي خدمات متخصصة في الرعاية النفسية والاجتماعية لمعالجة الصدمات والآثار الناجمة عن الابتزاز والوصم. كما ينبغي توفير استشارات تقنية متخصصة لتأمين حسابات الناجيات وحماية خصوصيتهن الرقمية، ومساعدتهن على حفظ الأدلة الرقمية بطريقة آمنة، وتيسير تقديم البلاغات إلى الجهات المختصة. 

وينبغي كذلك تطوير برامج وأدوات تعليمية رقمية ميسّرة تراعي اعتبارات النوع الاجتماعي، ونشرها بهدف رفع الوعي بالأمن الرقمي وسبل مواجهة العنف الميسّر تقنيًا، لا سيّما في أوساط الفئات الأكثر عرضة للمخاطر، مثل الفتيات في معسكرات النزوح والعاملات في القطاع غير المنظم، لتمكينهن من التعرّف الاستباقي على المخاطر الرقمية واتخاذ التدابير الوقائية المناسبة لحماية أنفسهن. 

كما يتعيّن إطلاق حملات مناصرة وبناء تحالفات مجتمعية واسعة لمواجهة ثقافة لوم الضحية والوصم الاجتماعي المرتبط بالعنف الرقمي، ونشر خطاب بديل يعزز التضامن مع الناجيات ودعمهن، بما يُسهم في جعل البيئة الرقمية فضاءً آمنًا وتعدديًا يحترم حقوق النساء ويصون كرامتهن في مختلف الظروف والسياقات.  

مشاركة التقرير

البريــد الإلكتروني

© 2022 Beam Reports. created with PRIVILEGE