لم تعُد الحروب في عصرنا معاركَ ميدانية خالصة؛ فإلى جانب المواجهات العسكرية تدور معارك موازية على المنصات الرقمية، لا تقل تأثيرًا ولا خطورة. فمنذ اندلاع الحرب في السودان بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، تحوّلت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة مفتوحة للصراع، تُستخدم فيها الكلمة والصورة أدواتٍ للتعبئة والتحريض والإقصاء.
من هذا المنطلق، أطلق فريق «سوداليتيكا» التابع لـ«بيم ريبورتس» تقريرًا بحثيًا مطوّلًا يرصد الأنماط المتجددة لخطاب الكراهية في الفضاء الرقمي السوداني على مدى عام كامل، ساعيًا إلى كشف الدور الذي يضطلع به في تعميق الاستقطاب وتغذية العنف، وراصدًا انتقاله من مجرد تعبير رقمي عابر إلى قوة تأثير فعلية في أفكار السودانيين ومصائرهم.
المنهجية
اعتمد الفريق منهجيتين متكاملتين: استطلاع رأي عام شمل 126 مشاركًا سودانيًا في 20 دولة، بالإضافة إلى 11 ولاية داخل السودان، ورصد ميداني لأكثر من 600 منشور على منصات «فيسبوك» و«إكس» و«تيك توك»، خلال الفترة من نوفمبر 2024 إلى نوفمبر 2025. واستُخدمت في الرصد كلمات مفتاحية محددة مرتبطة بالحرب والتوترات الإثنية والسياسية، واختيرت عينة عشوائية من 300 منشور للتحليل المعمّق.
وتجدر الإشارة إلى أن عينة الاستطلاع ذات طابع نخبوي إلى حد بعيد؛ إذ يحمل 95% من المشاركين شهادات جامعية أو عليا، وتهيمن عليها نسبة الذكور بـ80%، مما يستلزم الأخذ بهذه القيود عند تعميم نتائج الاستبيان.
أولًا: الوعي بخطاب الكراهية وأنماطه
أظهرت نتائج الاستبيان أن 92% من المشاركين يدركون معنى «خطاب الكراهية»، وأن الغالبية العظمى (97.6%) تُعرّفه بوصفه هجومًا على أفراد أو مجموعات على أساس هويتهم. غير أنّ رصد وسائل التواصل الاجتماعي كشف أن كثيرًا من المستخدمين يستعملون المصطلح بصورة ساخرة أو تبريرية، أو خارج سياقه الأصلي، مما يدل على فجوة بين الوعي النظري والممارسة الفعلية.
وقد أفرزت الحرب منظومة لغوية كاملة من مفردات الإقصاء والوصم الاجتماعي، تتوزع على أنماط خطابية رئيسة:
خطاب التعبئة الإثنية: يستند إلى مصطلحات تُعيد إنتاج تراتبيات عنصرية، ومن أبرزها:
- «الرائعون/الرائعات»: كلمة أُعيد توظيفها من قِبل مجموعات «النهر والبحر» لوصف سكان دارفور وكردفان من القبائل غير العربية بصورة مهينة. ويكشف التحليل أن المصطلح يُستخدم لربط هذه المجموعات بالجريمة والفوضى، وبناء ثنائية إقصائية بين «سودان متحضر» خالٍ منهم و«سودان غير متحضر» بسبب وجودهم.
- «أم كعوك»: مصطلح مأخوذ من اسم حشرة تُفسد المحاصيل، يوظّفه مؤيدو الجيش لوصف قوات الدعم السريع وحلفائها، ثم امتد ليشمل القبائل العربية في دارفور وكردفان المتهمة بدعم «الدعم السريع»، وذلك في سياق صريح لنزع الصفة الإنسانية.
- «ود الضيف»: مصطلح بالغ الحساسية، يُستخدم للتشكيك في النسب والانتماء الوطني، ولنفي الأصالة عن فئات بعينها.
- «أبُلدة/أبُلداي»: مشتق من «بليد»، يستخدمه عناصر «الدعم السريع» لوصف المقاتلين من مناطق الهامش المنحازين إلى الجيش، في إشارة ازدرائية تحمل أبعادًا عنصرية مرتبطة باللون والإثنية.
خطاب «الجنقو/الجنقاوي»: مصطلح كان يُشير تاريخيًا إلى العمال الموسميين، لكنه تحوّل خلال الحرب إلى وصف مهاجرين سودانيين غير نظاميين في الخارج، مع حمولة دلالية عنصرية تستهدف قبائل دارفور غير العربية تحديدًا. ومع الوقت، طبّعته الميمات والنكات الرقمية حتى أفقدته وطأته التحريضية الصريحة.
ثانيًا: الحرب الإعلامية وخطاب الكراهية أداةً رقمية
يرى 78.6% من المشاركين أن خطاب الكراهية «منتشر جدًا» على «فيسبوك»، فيما تتبع «تيك توك» بـ57.9% و«إكس» بـ50%. وفي المقابل، يبدو الإعلام التقليدي السوداني أقل احتضانًا للخطاب، إذ يراه 58% «منتشرًا جدًا» عليه، وهو رقم يظل مرتفعًا بحد ذاته.
تُحدد نتائج الاستبيان منتجي هذا الخطاب في طيف واسع: قوات الدعم السريع وحلفاؤها (23.4%)، والجهات المرتبطة بالمؤتمر الوطني (20.97%)، والمؤثرون على وسائل التواصل الاجتماعي (18.99%)، والقوات المسلحة وحلفاؤها (17.22%)، وبعض المواطنين السودانيين أنفسهم (11.7%). ويشير ذلك إلى أن الخطاب لا يصدر عن جهة واحدة، بل هو منتَج اجتماعي وسياسي متشابك لا يمكن اختزاله في طرف دون آخر.
ويُدرك 70% من المشاركين أن خطاب الكراهية يقوم على مزيج من المعلومات الصحيحة والمضللة، وهو ما يجعله أشد خطورة؛ إذ تُوظَّف الوقائع الحقيقية انتقائيًا لتعزيز سرديات التهميش والإقصاء.
ثالثًا: الآثار المترتبة والتداعيات الواقعية
يرى 86.5% من المشاركين أن لخطاب الكراهية تأثير بالغ في المجتمع السوداني. وتتوزع هذه الآثار على محاور متعددة وفق إفادات المشاركين:
- تعميق الانقسامات المجتمعية (92%).
- تبرير العنف ضد مجموعات بعينها (90%).
- زعزعة الاستقرار السياسي (74%).
- تشويه صورة مجموعات اجتماعية (74%).
- التأثير النفسي السلبي على المستهدفين (73%).
ويرى 95% من المشاركين أن خطاب الكراهية قابل للتوظيف سلاحًا معلوماتيًا موجَّهًا في سياقات الصراع، مما يكشف عن وعي متصاعد بأنّ هذا الخطاب لم يعد مجرد انفعال فردي، بل أداة إستراتيجية واعية.
الخطاب الانفصالي: جماعة «النهر والبحر» نموذجًا
يُقدّم التقرير تحليلًا معمّقًا لخطاب مجموعة «دولة النهر والبحر»، وهي تيار يروّج لإعادة تعريف السودان وفق معادلة جغرافية ثقافية تقصر الدولة على الشريط النيلي وساحل البحر الأحمر ومنطقة الوسط، مع الاستبعاد الصريح لدارفور وكردفان وأجزاء من الجنوب.
ويروّج هذا الطرح بلغة تُوحي بالحتمية والواقعية، مستندًا إلى حجج اقتصادية وهوياتية، في تجديد لسرديات قديمة عن مركزية الشريط النيلي وهيمنته. ويظهر جليًا أن هذا الخطاب تصاعد على نحو ملحوظ في أعقاب سقوط الفاشر عاصمة شمال دارفور في أكتوبر 2025، وأنه تحوّل من أطروحة فكرية إلى أداة للتحريض؛ إذ رُصدت منشورات تصف نزوح أهل الفاشر نحو شمال السودان بأنه «احتلال ديموغرافي»، وتدعو صراحةً إلى رفض استقبالهم. وكانت لهذه التراجيديا أبعاد إنسانية مروّعة؛ إذ كان نحو 260 ألف مدني محاصرين داخل المدينة لحظة سقوطها.
«الشفشفة»: حين ينقلب الخطاب الرقمي إلى فعل واقعي
يُشكّل مصطلح «الشفشفة» حالة اختبار نموذجية لكيفية تطور خطاب الكراهية وانتقاله من الفضاء الرقمي إلى الواقع الملموس. فقد ظهر المصطلح في الأشهر الأولى للحرب، إذ استُخدم لوصف عمليات النهب المسلح التي نفذّتها عناصر «الدعم السريع» في أحياء الخرطوم. ثم تحوّل سريعًا إلى أداة وصم جماعي لمجموعات سكانية من قبائل دارفور وكردفان تعيش في هوامش العاصمة والمدن الكبرى، كأحياء «العزبة» و«مايو»، بتوصيفها «حواضن اجتماعية» لـ«الدعم السريع».
والأخطر من ذلك أن قوات الدعم السريع نفسها وظّفت المصطلح بذكاء لإعادة توجيه الاتهام؛ إذ أسندت جرائم النهب إلى ما سمّته «الظواهر السلبية» من المدنيين، في محاولة لإبعاد المسؤولية عن نفسها وتحميل فئات اجتماعية هشة وِزر ما اقترفته قواتها.
والأشدّ خطورة أن هذا الخطاب الرقمي أُسقط على الواقع بصورة مباشرة؛ ففي مارس 2025، نفّذت سلطات ولاية الخرطوم حملة واسعة لإزالة «العشوائيات» في منطقة «العزبة» ببحري، مستندةً إلى مسوّغات «الظواهر السلبية» و«التهديدات الأمنية» المرتبطة بها. وأعقبت الحملةَ موجةٌ من المنشورات الرقمية تحتفي بها وتدعو إلى توسيعها، وهو ما يعد مثالًا صارخًا على تحوّل خطاب الكراهية الرقمي إلى سياسات تُنفَّذ على الأرض بحق مجموعات بشرية بعينها.
الخطاب العابر للحدود: اللاجئون هدفًا
رصد التقرير بُعدًا إضافيًا يتمثل في الخطاب العدائي ضد اللاجئين السودانيين خارج البلاد، ولا سيما في مصر، حيث رُصدت حملات رقمية منسّقة تحمل وسومًا داعية إلى ترحيل السودانيين، تربطهم زورًا بمشكلات أمنية واقتصادية وصحية. ويكشف التحليل أن هذا الخطاب تصاعد بالتوازي مع حملات أمنية فعلية على الأرض، ويتسم بتشابه لافت في الأنماط اللغوية عبر حسابات مختلفة، مما يوحي بتنسيق مقصود.
في المقابل، بدا الخطاب ضد اللاجئين السودانيين في تشاد أقل حدّةً وتنظيمًا، وأكثر ميلًا إلى ربط الأمر بالأعباء الاقتصادية دون تحريض صريح.
خاتمة
يُقدّم هذا التقرير وثيقةً بحثية تُثبت ما لا يمكن إنكاره: أن الفضاء الرقمي في سودان الحرب لم يعُد مجرد امتداد للتعبير الاجتماعي، بل أضحى بنيةً تحتية للصراع نفسه. والأخطر في المشهد الذي يرسمه التقرير هو التحوّل التدريجي للكلمة إلى فعل؛ من المصطلح المهين إلى حملة الترحيل، ومن الوسم التحريضي إلى قرار الإزالة الحكومي.
والرسالة الجوهرية هي أن خطاب الكراهية الرقمي ليس ضجيجًا بلا أثر، بل يُرسّخ الانقسام، ويُهيئ البيئة الاجتماعية لتقبّل العنف، ويُعيد رسم حدود المواطنة والانتماء. والسؤال الذي يطرحه التقرير بإلحاح هو: متى تتحمّل المنصات الرقمية وسلطات الدولة مسؤوليتها في الحد من هذا الانزلاق، قبل أن تتحوّل الكلمة إلى جريمة لا يمكن استرداد أثرها؟