أصوات السودانيين: دراسة تحليلية لمواقف المواطنين من الحرب والفاعلين السياسيين

سياسي

أسهمت الحرب، التي تكمل عامها الثالث، في تعميق التشظّي السياسي والاستقطاب المجتمعي، وأفرزت بيئة إعلامية مضطربة تتزايد فيها حملات التضليل والدعاية الممنهجة وخطابات الكراهية، مما يُعقّد إمكانات الوصول إلى معلومات موثوقة، ويؤثر في تشكّل الرأي العام.

يستند هذا التقرير إلى استطلاع رأي عام، شمل مشاركين سودانيين داخل البلاد وخارجها، بهدف محاولة تفكيك أنماط تشكُّل المواقف تجاه الحرب الجارية، وقراءة تصوّرات الفاعلين، ومصادر المعلومات، ومسارات الخروج من الأزمة، وتوقّعات المستقبل القريب.

على مستوى التفسيرات السببية للحرب، تُبرز الإجابات حضور سرديات تتقاطع فيها مقاربات الصراع على السلطة والموارد مع إرث النظام السابق، وتعقيدات إعادة هيكلة القطاع الأمني، إلى جانب أدوار متصوَّرة للتدخلات الخارجية وإشارات إلى تراكم المظالم التاريخية في الأقاليم المهمَّشة. وفي المجال المعلوماتي، تشير أنماط المتابعة إلى إعادة تموضعٍ لمصادر الخبر والمعرفة في ظل أزمة ثقة في الإعلام الرسمي، وتنامي الاعتماد على المصادر العابرة للحدود والمنصّات الرقمية والشبكات الاجتماعية.

وترسم البيانات ملامح إعادة اصطفافٍ في أنماط الانحياز السياسي والثقة بالفاعلين والمؤسسات، مع تباينات ملحوظة بحسب العمر وحالة النزوح ومكان الإقامة، مما يوحي بأنّ القرب من العنف، وتجارب التهديد والحماية، عوامل تتداخل في إعادة تشكيل المواقف. وبشأن المسارات المفضّلة لإنهاء النزاع، تظهر توترات بين تصوّرات تُعلي من أولوية الحلول التفاوضية المشروطة بإصلاحات، وبين نزعات ترى في الحسم العسكري أو حتى استعادة مسارات سابقة، بدائل ممكنة، فضلًا عن حساسيات سيادية تجاه أشكال التدخل الخارجي وحدود المقبول منها.

السياق

في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر 2021، دخلت القوى السياسية المدنية والعسكرية في مسار تفاوضي جديد بتيسير من بعثة الأمم المتحدة (يونيتامس) والاتحاد الإفريقي والإيقاد. وأسفرت هذه المفاوضات عن التوقيع على اتفاق إطاري في الخامس من ديسمبر 2022 بين المجلس العسكري وأكثر من 40 كيانًا مدنيًا، بما فيها قوى الحرية والتغيير – المجلس المركزي وعدد من الأحزاب والحركات المسلحة السابقة ومنظمات المجتمع المدني.

نصّ الاتفاق الإطاري على إبعاد المؤسسة العسكرية تمامًا عن الحياة السياسية، واختيار مستوى سيادي مدني يكون رأسًا للدولة وقائدًا للأجهزة النظامية. وكذلك نصّ الإطاري على اختيار رئيس وزراء مدني يرأس مجلس الأمن والدفاع. وحظر على القوات النظامية ممارسة الأنشطة التجارية والاستثمارية. كما نصّ على إصلاح القطاع الأمني، وإجراء انتخابات في نهاية فترة انتقالية مدتها عامان. 

شرع الموقعون على الاتفاق الإطاري في جلسات تفاوض لمناقشة خمسة مسارات رئيسة: العدالة الانتقالية، وإصلاح القطاع الأمني والعسكري، وتفكيك بنية نظام «الإنقاذ» وشبكات نفوذه، وتنفيذ اتفاق جوبا للسلام، ومعالجة أزمة شرقي السودان. وفي هذه المرحلة، تصاعد التوتر بين الجيش والدعم السريع بشأن دمج الأخيرة في الجيش والمواقيت والقيادة المستقبلية والسيطرة على الموارد الاقتصادية، لا سيما مناجم الذهب في دارفور، حتى انفجرت المواجهات العسكرية بين الطرفين فجر 15 أبريل 2023.

أهداف الاستطلاع

هدف الاستطلاع إلى قياس مواقف المواطنين السودانيين وتصوراتهم حيال الحرب الدائرة، ومستويات ثقتهم في الفاعلين السياسيين والعسكريين، وتفضيلاتهم لمسارات الحل الممكنة، فضلًا عن تقييمهم لأدوار الفاعلين الإقليميين والدوليين وتدخلاتهم.

المحاور

يركّز الاستطلاع على ثلاثة محاور أساسية، أولها: تقييم مستوى الثقة في الفاعلين الأساسيين، بما في ذلك الجيش السوداني والقوات المتحالفة معه، والدعم السريع، والتحالفات السياسية المختلفة مثل تحالف «صمود»، وتحالف «تأسيس»، وتحالف الكتلة الديمقراطية. وثانيها: رصد تصورات المشاركين تجاه التدخل الخارجي، وتقييم أدوار الدول الإقليمية والدولية في الصراع. أما الثالث: فاستكشاف آراء المشاركين بشأن مسارات الحرب والتفاوض، والحلول المفضّلة للخروج من الأزمة، والسيناريوهات المستقبلية المتوقعة.

الإطار الزمني

جُمعت البيانات خلال الفترة الممتدة من 28 يوليو 2025 إلى 5 يناير 2026.

جمع البيانات

اعتمد الاستطلاع على استبيان إلكتروني مُصمّم على منصة KoboToolbox، وهي منصة مفتوحة المصدر تُستخدم على نطاق واسع في جمع البيانات الميدانية، لا سيما في الأوضاع الإنسانية وبيئات الصراع. ونُشر الاستبيان على منصات «بيم ريبورتس» على مواقع التواصل الاجتماعي، بما في ذلك «فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقًا)، مما أتاح الوصول إلى جمهور السودانيين في الداخل والخارج. وأسفرت هذه المرحلة الأولى عن جمع نحو 244 استجابة.

لتوسيع العينة وضمان تمثيل أفضل للمناطق المختلفة، جرى تعيين جامعي بيانات ميدانيين موزعين على ولايات عدة داخل السودان. واضطلع جامعو البيانات بالوصول إلى المشاركين عبر الشبكات المجتمعية لجمع استجابات إضافية. وبلغ إجمالي الاستجابات الصحيحة والمكتملة 896 استجابة.

الاعتبارات الأخلاقية

لم تُجمع أيّ بيانات تعريفية شخصية يمكن من خلالها التعرف على المشاركين، مثل الأسماء أو أرقام الهواتف أو العناوين المحددة. واقتصرت البيانات الديموغرافية المجمعة على: العمر، والنوع، والمستوى التعليمي، والولاية التي كان يقيم فيها المشارك قبل اندلاع الحرب، ومكان إقامته في وقت مشاركته في الاستبيان (داخل السودان، أم خارج السودان، أم نازح داخليًا). وأُوضح للمستجيبين أنّ المشاركة في الاستبيان طوعية تمامًا، وأنّ بياناتهم ستُستخدم حصريًا لأغراض البحث، وأنّ النتائج ستُنشر مجمّعة دون الإشارة إلى هويات فردية.

ووُضعت في مستهلّ الاستبيان مقدمة واضحة تشرح الغرض من الدراسة، وتؤكد التزام فريق البحث بالسرية، والحق في الانسحاب في أيّ وقت، كما تتضمن إقرارًا من المشارك بأنّ إجابته عن الأسئلة تعني أنه على علم بهذه الشروط ويوافق على المشاركة بحرية تامة.

القيود والتحديات المنهجية

في الظروف العادية، تُبنى استطلاعات الرأي والبحوث الميدانية على افتراضين عمليين: وجود حد أدنى من الاستقرار المكاني للسكان، وإمكانية الوصول الآمن والمتكرر إليهم عبر قنوات اتصال يمكن التنبؤ بها. أمّا في زمن الحرب، فينهار الافتراضان معًا، وتتحوّل صعوبة الوصول من عائقٍ تشغيلي إلى محدِّدٍ مباشر لجودة المعرفة المنتَجة، ولمَن تشملهم هذه المعرفة ومَن تستثنيهم.

الأدبيات التطبيقية للعمل الاستطلاعي في مناطق النزاع تؤكد أنّ القيود الأمنية، وتفتّت السيطرة الإدارية، وانهيار البنية التحتية، ونقص الكفاءات البشرية، كلها عوامل تعقّد تحقيق المعايير التقليدية للتمثيل الإحصائي، لذا يصبح الوصول الجزئي أو المتقطع هو القاعدة لا الاستثناء في أزمنة الحروب والنزاعات.

وتتسق التحديات المنهجية التي واجهها هذا الاستطلاع مع ما ترصده الأدبيات المتخصصة في إجراء البحوث الميدانية في مناطق النزاع. ويُشير كيت ريكارد وآخرون إلى أن استطلاعات الرأي في زمن الحرب تواجه تحديَّين بنيويّيْن متلازمين: نقص التغطية الجغرافية بسبب التجمّع المكاني للعنف، وتحيّز الاستجابة الناجم عن حساسية الآراء في سياقات التهديد.

ففي المناطق الخاضعة لسيطرة أحد الأطراف، قد يميل المشاركون إلى إبداء مواقف متوافقة مع الطرف المسيطر، ليس بالضرورة اقتناعًا، بل خوفًا من التبعات الأمنية، حتى مع ضمانات السرية، لا سيما أنّ مفهوم «السرية» نفسه يفقد مصداقيته في بيئات تتسم بالرقابة وانعدام الثقة في أيّ جهة جامعة للبيانات. وعلاوةً على ذلك،  تتضاعف هذه التحديات بفعل النزوح الواسع وانقطاع شبكات الاتصال، مما يُخضع التمثيل الجغرافي والديموغرافي للعينة لعوامل أمنية ولوجستية خارج سيطرة فريق البحث.

النتائج

الخصائص الديموغرافية للعينة

من حيث العمر، شكّلت الفئة العمرية من 26 إلى 35 عامًا النسبة الأكبر بواقع 330 مشاركًا (36.9%)، تليها الفئة العمرية من 18 إلى 25 عامًا بـ202 مشارك (22.5%). أمّا الفئة العمرية من 36 إلى 45 عامًا، فبلغت 167 مشاركًا (18.6%)، وتلتها الفئة من 46 إلى 55 عامًا بـ101 مشارك (11.3%)، ثم الفئة الأكبر من 55 عامًا بـ96 مشاركًا (10.7%). ويشير هذا التوزيع إلى أنّ الاستطلاع استقطب، بدرجة أساسية، الشباب والبالغين من الفئات العمرية المتوسطة.

الشكل (1): توزيع الفئات العمرية

من حيث النوع الاجتماعي، شكَّل الذكور أغلبية المشاركين في الاستطلاع، إذ بلغ عددهم 515 مشاركًا (57.5%)، مقابل 356 مشاركة أنثى (39.7%)، في حين فضّل 25 مشاركًا (2.8%) عدم الإفصاح عن نوعهم الاجتماعي.

ويُبرز هذا التوزيع وجود فجوة نوعية في معدلات الاستجابة لمصلحة الذكور، تتسق مع الأنماط السائدة في المنطقة القائلة بأنّ الرجال أكثر انخراطًا في أشكال المشاركة السياسية، وذلك حتى بعد التحكم في بعض العوامل الديموغرافية والاقتصادية في بعض الحالات. وفي السياق السوداني تحديدًا، تواجه نساء كثيرات عوائق مركَّبة في الوصول إلى الإنترنت والأجهزة الذكية جراء الفقر وضعف البنية التحتية والمعايير الاجتماعية التي تقيّد تحكمهن في استخدام التكنولوجيا، بل أحيانًا بسبب العنف أو الرقابة الأسرية المرتبطة باستخدام الإنترنت، مما يخلق فجوة رقمية نوعية تنعكس على فرص مشاركة النساء في  الاستطلاعات التي تُوزَّع أو تُستكمَل عبر الوسائط الرقمية.

الشكل (2): توزيع النوع الاجتماعي

من حيث المستوى التعليمي، غلبت الفئات ذات التعليم الجامعي وما فوق على العينة، إذ حصل 511 مشاركًا (57%) على تعليم جامعي (بكالوريوس)، و199 مشاركًا (22.2%) على تعليم فوق جامعي (ماجستير أو دكتوراه)، مما يعني أن 79.2% من العينة من حملة الشهادات الجامعية. أما التعليم الثانوي فمُثّل بـ101 مشارك (11.3%)، تلاه التعليم الحرفي بـ41 مشاركًا (4.6%)، ثم التعليم الديني (خلوي/كنسي) بـ28 مشاركًا (3.1%)، في حين مُثّل التعليم الابتدائي بـ16 مشاركًا (1.8%) فقط.

الشكل (3): توزيع المستوى التعليمي

محل السكن قبل الحرب

من حيث محل السكن قبل الحرب، تُظهر البيانات تركزًا واضحًا في عدد محدود من الولايات، وهو نمط يمكن تفسيره جزئيًا بطبيعة أدوات جمع البيانات وقيود البحث المشار إليها.

سجّلت ولاية الخرطوم أعلى عدد من المشاركين بواقع 282 مشاركًا (31.5% من إجمالي العينة)، تلتها ولاية وسط دارفور بـ165 مشاركًا (18.4%)، وهي نسبة مرتفعة مقارنة ببقية الولايات. 

في شرق السودان، تظهر كتلة متوسطة من المشاركين، إذ جاءت ولاية كسلا في المقدمة بـ67 مشاركًا (7.5%)، تلتها ولاية البحر الأحمر بـ48 مشاركًا (5.4%)، في حين سجّلت ولاية القضارف حضورًا محدودًا بـ4 مشاركين (0.5%). 

في المقابل، سجّل بند «خارج السودان» 79 مشاركًا (8.8%). وظهرت ولايات أخرى بنسب متوسطة، شملت: النيل الأبيض بـ50 مشاركًا (5.6%)، وجنوب دارفور بـ44 مشاركًا (4.9%)، والجزيرة بـ43 مشاركًا (4.8%)، ونهر النيل بـ38 مشاركًا (4.2%)، والشمالية بـ33 مشاركًا (3.7%). في حين بلغ أعداد المشاركين من ولايات مثل شمال كردفان 17 مشاركًا (1.9%)، وسنار 6 مشاركين (0.7%)، وشمال دارفور 8 مشاركين (0.9%). وكانت المشاركة محدودة جدًا في غرب دارفور التي سجلت 4 مشاركين (0.45%)، وجنوب كردفان التي سجلت 3 مشاركين (0.3%)، وشرق دارفور التي سجلت أيضًا 3 مشاركين (0.3%)، بالإضافة إلى ولايتي النيل الأزرق وغرب كردفان اللتين سجلتا مشاركًا واحدًا (0.1%) لكل ولاية.

الشكل (4): السكن قبل الحرب

حالة النزوح

من حيث وضع النزوح، تُظهر البيانات تباينًا واضحًا في تجارب المشاركين المعيشية منذ اندلاع الحرب، مما يوفّر خلفية لفهم اختلاف مواقفهم السياسية وتصوراتهم حيال أطراف النزاع ومسارات الحل.

أفاد 374 مشاركًا (42%) بأنهم يقيمون في الولاية نفسها التي كانوا مقيمين فيها قبل اندلاع الحرب، مما يعني أنهم إما لم يتعرّضوا للنزوح أصلًا أو عادوا إلى ولايتهم بعد فترات نزوح مؤقتة. وفي المقابل، ذكر 298 مشاركًا (33%) أنهم يقيمون خارج السودان –ويمثّل الذين خرجوا من السودان بعد اندلاع الحرب 67.5% منهم– كما أفاد 224 مشاركًا (25%) بأنهم نازحون داخل السودان.

الشكل (5): مكان الإقامة بعد اندلاع الحرب

مصادر المعلومات والمتابعة الإعلامية

سألنا المشاركين عن المصادر التي يتلقون منها الأخبار مع إتاحة اختيار أكثر من مصدر. وتُظهر النتائج أن القنوات الإخبارية العربية والغربية مثّلت المصدر الأكثر استخدامًا لمتابعة أخبار الحرب، إذ أشار إليها 424 مشاركًا (47.3%)، مما يدل على استمرار مركزية الإعلام التقليدي العابر للحدود بوصفه مرجعًا أساسيًا للمعلومات. 

تناولت أبحاث الإعلام، بكثافة، تأطيرَ القنوات العالمية والعربية للقضايا الإقليمية، وبيّنت أن هذا التأطير لا يقتصر على النصوص المكتوبة، بل يمتد ليشمل الصور ومقاطع الفيديو والإنفوغرافيك؛ إذ يمكن لصورة واحدة أن تعيد صياغة السردية الإعلامية وتُحدِث تحولًا في اللغة المستخدمة من قبل الساسة ووسائل الإعلام، مثل تغطية الشأن العربي على مواقع «بي بي سي» العربي و«دويتشه فيله» العربية، أو تأطير قنوات مثل «الجزيرة» و«العربية» للاحتلال الإسرائيلي أو أحداث «الربيع العربي».

يأتي «فيسبوك» في المرتبة الثانية بـ341 مشاركًا (38.1%)، تليه منصة «إكس» بـ322 مشاركًا (35.9%)، مما يدل على الدور المحوري لمنصات التواصل الاجتماعي في إنتاج الأخبار وتداولها في سياق الحرب، سواء عبر المحتوى الصحفي المعاد نشره أو الشهادات المباشرة من مناطق النزاع أو الخطاب التعبوي. وتنسجم هذه النتيجة مع التحولات الأوسع التي رصدها معهد رويترز لدراسة الصحافة بشأن صعود منصات التواصل الاجتماعي ضمن المسارات الرئيسة لاستهلاك الأخبار، واتساع دور بيئات الأخبار القائمة على «المؤثرين».

أفاد 270 مشاركًا (30.1%) بأنهم يحصلون على الأخبار أساسًا من الدوائر الاجتماعية القريبة، ويمكن فهم ذلك في ضوء طرح جيمس إس. كولمان بشأن رأس المال الاجتماعي، ولا سيما دور «قنوات المعلومات» المدمجة في العلاقات الاجتماعية، إذ يميل الأفراد إلى تقليل كلفة الحصول على المعلومات عبر الاعتماد على روابط قائمة أصلًا على الثقة والتبادل اليومي. وفي سياق الحرب، قد تصبح هذه القنوات أداةً عملية للبقاء، مثل تبادل معلومات عن الطرق الآمنة أو توافر الخدمات أو المخاطر المستجدة. غير أنّ هذا الاعتماد قد ينتج أيضًا روايات متجانسة داخل الشبكات المتقاربة اجتماعيًا وسياسيًا، مما يعزز التعرض الانتقائي ويحد من التنوع التفسيري للصراع، خاصةً حينما تتقاطع المخاوف مع الاستقطاب.

في المقابل، جاء الإعلام الحكومي ومواقع الأخبار السودانية في مراتب متأخرة نسبيًا (255 مشاركًا للإعلام الحكومي السوداني و254 ومشاركًا للمواقع الإخبارية السودانية)، مما يُبرز أزمة ثقة واسعة في الإعلام المحلي الرسمي وشبه الرسمي. أمّا «تيك توك»، فمع أنّه أقل استخدامًا (169 مشاركًا) بوصفه مصدرًا مباشرًا للأخبار مقارنةً بـ«فيسبوك» و«إكس»، فإنه يكتسب تأثيرًا متزايدًا باعتباره منصة لتداول المقاطع القصيرة التي قد تُسهم في تشكيل الانطباعات العامة وتغذية السرديات التعبوية، حتى عندما لا تُقدَّم ضمن إطار خبري مهني.

وتكشف هذه الخريطة لمصادر المعلومات عن بيئة إعلامية هجينة، يتداخل فيها الإعلام المهني العابر للحدود مع منصات التواصل الاجتماعي والمعرفة الشبكية المحلية. ويشير هذا التداخل إلى أنّ مواقف المشاركين تتشكّل انطلاقًا من مصادر متفاوتة في المصداقية والمعايير المهنية.

كذلك يطرح الاعتماد الكثيف على وسائل التواصل الاجتماعي تحديات تتعلق بجودة المعلومات وتعرّض الجمهور لحملات تضليل منظمة ومحتوى دعائي، فضلًا عن تحدي انتقائية الخوارزميات. ويوضح إيلي باريسر في كتابه «فقاعة الفلترة» أنّ خوارزميات المنصات تعزز الانحياز التأكيدي؛ فهي تعرض للمستخدم المحتوى الذي يتوافق مع ميوله السياسية السابقة، وهو ما يُفسر إعادة إنتاج الاستقطاب المجتمعي وتعميقه رقميًا، على وفرة المعلومات.

الشكل (6): مصادر الأخبار

أسباب الحرب والانحيازات

تُظهر إجابات المشاركين عن سؤال «ما سبب اندلاع الحرب في رأيك؟» تعددًا ملحوظًا في التفسيرات. ودارت معظم التفسيرات حول الصراع على السلطة والثروة، ودور الحركة الإسلامية، والتدخل الخارجي (الإمارات العربية المتحدة على نحو خاص)، وتعقيدات إعادة هيكلة القطاع العسكري، إلى جانب هشاشة مؤسسات الدولة وفشل العملية السياسية في إدارة الانتقال الديمقراطي.

وبرزت تعابير من قبيل «الصراع على السلطة» بوصفها التفسير الأكثر حضورًا في الإجابات، إذ يميل كثير من المشاركين إلى النظر إلى الحرب بوصفها صراعًا بين قادة عسكريين وسياسيين متنافسين على احتكار السلطة، لا سيما قيادة كلٍّ من الجيش والدعم السريع. وامتد هذا التفسير ليشمل البعد الاقتصادي عبر الإشارة المتكررة إلى «الصراع على الثروة والسلطة» والسيطرة على الموارد الإستراتيجية مثل الذهب والأراضي الزراعية، مما يُبرز تصوّرًا بأنّ التنافس على الموارد يمثل حافزًا أساسيًا لتصعيد العنف. كما حمّل عدد من المشاركين النخب العسكرية والسياسية مسؤولية شخصية عن الانزلاق إلى الحرب، عبر الحديث عن «الأطماع الشخصية» و«غياب الوطنية».

احتلّ دور الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني موقعًا بارزًا في كثير من التفسيرات؛ إذ ربطت شرائح واسعة بين اندلاع الحرب ومحاولات ما يُعرف شعبيًا بـ«الكيزان» لاستعادة النفوذ السياسي بعد إطاحتهم في 2019. وتكررت إشارات من قبيل «محاولة الحركة الإسلامية العودة إلى الحكم» و«عودة الكيزان إلى السلطة». وفي هذا السياق، أشار عدد من المشاركين إلى انقلاب أكتوبر 2021 باعتباره نقطة تحول تُقرأ في كثير من الإجابات بوصفها «قطعًا للطريق أمام الانتقال المدني» و«بداية الانقلاب على الثورة»، بل ونظر إليه كثير من المشاركين باعتباره مرحلة تمهيدية لعودة نظام «الإنقاذ» عبر  الجيش السوداني والمؤسسات الأمنية.

في ما يتعلق بالتدخلات الخارجية، حضرت الإشارات إلى «التدخل الخارجي» و«تنفيذ أجندة خارجية» و«دور بعض الدول الإقليمية» بوصفها عناصر مكمّلة للصراع الداخلي وشريكة مع أطرافه. وبرز ذكر الإمارات العربية المتحدة، بصورة متكررة، عبر الحديث عن «دعم الإمارات للدعم السريع»، وهو ما يتقاطع مع تقارير دولية أشارت إلى دور إماراتي في تسليح «الدعم السريع» وتمويلها. كما ظهرت تفسيرات تُحيل الحرب إلى «مخطط لتقسيم السودان» أو «زعزعة الاستقرار»، دون تحديد فاعل خارجي بعينه، مما يُبرز شعورًا عامًّا بأنّ الصراع الداخلي بات متداخلًا مع حسابات إقليمية ودولية أوسع. 

على المستوى العسكري، أشارت إجابات عديدة إلى مسألة دمج «الدعم السريع» في الجيش السوداني بوصفها إحدى القضايا الجوهرية التي ساهمت في تفجير الصراع. وتكررت الإشارة إلى الخلاف على «الجدول الزمني للدمج» و«طريقة توحيد القوات تحت قيادة واحدة»، وهو ما يتسق مع التحليلات التي ترى أن غياب توافق واضح على إصلاح القطاع الأمني وترتيبات الدمج مهد لانهيار الترتيبات الانتقالية واندلاع القتال.

كما عبّر بعض المشاركين عن قلقهم من «تعدد الجيوش» و«تعدد المشاريع» داخل الدولة، ومن وجود تشكيلات مسلحة ذات أجندات مستقلة عن المؤسسة العسكرية الرسمية، ووجّه بعضهم انتقادات إلى سياسات «تمكين الدعم السريع» وتوسّع نفوذه وانتشاره في العاصمة الخرطوم، مما أخلّ بتوازن القوة داخل المنظومة الأمنية ورفع احتمالات المواجهة المسلحة.

وربطت مجموعة من المشاركين بين اندلاع الحرب والبنية الهشّة لمؤسسات الدولة. وأُشير إلى «الدمار الذي لحق بمؤسسات الدولة» في العقود السابقة وإلى السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي أضعفت قدرة الدولة على إدارة التنوع والحد من النزاعات، بوصفها أسبابًا مهّدت الطريق لانفجار العنف الدائر. كما برزت عبارات مثل «غياب المشروع الوطني» و«انعدام رؤية وطنية جامعة» و«ضعف الإرادة السياسية»، في قراءة تُحمّل النخب المتعاقبة مسؤولية الفشل في بلورة عقد اجتماعي أو مشروع سياسي يحدّ من الاستقطاب العميق.

وفي السياق نفسه، شددت تفسيرات عديدة على «المظالم التاريخية» و«التهميش» الذي طال أقاليم بعينها، مثل دارفور وكردفان والشرق، باعتبارهما خلفية بنيوية للأزمة الحالية، إذ يُنظر إلى الحرب بوصفها امتدادًا لمسار من عدم العدالة في توزيع السلطة والثروة والفرص بين المركز والأطراف.

دعم أطراف الحرب

أحد أسئلة الاستطلاع كان عن دعم المشارِك لأحد طرفي الحرب من عدمه. وأظهرت النتائج أنّ 474 مشاركًا (53%) لا يدعمون أيًا من الطرفين، مقابل 358 مشاركًا (40%) أفادوا بأنهم يدعمون الجيش السوداني، و56 مشاركًا فقط (6.3%) ذكروا أنهم يدعمون «الدعم السريع»، بينما لم يجب 8 مشاركين عن السؤال.

الأغلبية النسبية التي لا تدعم أيًا من الطرفين تُظهر حالة من النفور من الحرب، وربما فقدان الثقة في كلا الطرفين. وهو ما يشير إليه أيضًا وصف نسبة كبيرة من المشاركين الحرب بأنها «صراع على السلطة».

كما يمكن قراءة دعم 40% من المشاركين للجيش السوداني في ضوء ظاهرة «الالتفاف حول العلَم» التي رصدها جون مولر، والتي تُشير إلى ارتفاع الدعم الشعبي للقيادة الوطنية في أثناء الأزمات الدولية أو الحروب، إذ يُعاد تعريف القائد أو المؤسسة العسكرية بوصفها تجسيدًا للوحدة الوطنية. وقد يُعدّ جزءٌ من دعم الجيش السوداني إعادةَ تموضعٍ رمزيّ للجيش بوصفه «الدولة» في مواجهة ما يُنظر إليه باعتباره تهديدًا وجوديًا لوحدة البلاد.

الشكل (7): دعم أطراف الحرب

دعم الأطراف حسب الفئة العمرية

تشير البيانات إلى ارتباط واضح بين الفئة العمرية ومستوى الدعم المعبَّر عنه لأطراف الحرب، مما يُظهر تباينًا في أنماط التلقي السياسي وتشكّل المواقف عبر الأجيال، إذ يميل الشباب الأصغر سنًا (18 – 25 عامًا) إلى إبداء مستويات عالية (52%) من دعم الجيش السوداني، في حين ظهرت نسبة من التقارب تميل إلى الحياد بين دعم الجيش (42%) وعدم دعم أيّ من الطرفين في (50%) في الفئة العمرية (26 – 35 عامًا). أما في الفئات العمرية الأكبر، فتتزايد نزعة عدم دعم أيّ من طرفي الحرب لتبلغ 63% من الفئة العمرية (36 – 45 عامًا)، و62% من الفئة (45 – 55 عامًا)، و63% ممن هم أكبر من 55 عامًا.

ويمكن قراءة هذه الفروق باعتبارها مؤشّرًا على اختلاف أطر التفسير والتجربة التاريخية بين الأجيال، وما يترتّب عليه من تباينات في تقييم الفاعلين العسكريين.

الشكل (8): دعم أطراف الحرب حسب الفئة العمرية

دعم الأطراف حسب حالة النزوح

تكشف البيانات عن تباين نسبي في أنماط الانحياز السياسي تبعًا لحالة النزوح ومكان الإقامة، إذ أبدى النازحون داخليًا مستويات دعم أعلى للجيش السوداني (47%) مقارنةً بالمقيمين خارج السودان (31%). وفي المقابل، سجّلت فئة السودانيين المقيمين خارج البلاد أعلى نسبة من غير المنحازين إلى أيّ من طرفي النزاع (66%).

الشكل (9): دعم أطراف الحرب حسب حالة النزوح

مستويات الثقة في الفاعلين السياسيين والعسكريين

طُلب من المشاركين تقييم مستوى ثقتهم في عدد من الفاعلين السياسيين والعسكريين، وفق مقياس ثلاثي (أثق – محايد – لا أثق). بالنسبة إلى الجيش السوداني، ذكر 359 مشاركًا (40%) أنهم يثقون به، مقابل 356 مشاركًا (40%) أفادوا بعدم ثقتهم به، و181 مشاركًا (20%) اتخذوا موقف الحياد. ويُظهر هذا التوزيع حالة انقسام شبه متكافئ في المواقف تجاه الجيش السوداني، مما يشير إلى غياب إجماع مجتمعي على دوره في الصراع، وإلى تباين واسع في تقييم أدائه في الحرب.

وعند الانتقال إلى القوات المتحالفة مع الجيش السوداني، تتراجع مستويات الثقة على نحو أوضح. ففيما يتعلق بكتيبة «البراء بن مالك»، أفاد 573 مشاركًا (64%) بعدم ثقتهم بها، مقابل 168 مشاركًا (19%) ذكروا أنهم يثقون بها، في حين اختار 155 مشاركًا (17%) الحياد. أما القوات المشتركة للحركات المسلحة، فقد أعرب 564 مشاركًا (63%) عن عدم ثقتهم بها، مقابل 125 مشاركًا (14%) أفادوا بأنهم يثقون بها، في حين ذكر 207 مشاركين (23%) أنهم محايدون. وتشير هذه النتائج إلى أنّ مستويات الثقة –حتى عندما تتوافر تجاه الجيش السوداني– لا تنسحب تلقائيًا على القوات المتحالفة معه، مما يُظهر قدرًا من الحذر تجاه التشكيلات المسلحة غير النظامية أو متعددة الانتماءات.

في المقابل، تحظى «الدعم السريع» بأدنى مستويات ثقة بين جميع الفاعلين العسكريين المشمولين بالقياس، إذ أفاد 716 مشاركًا (80%) بأنهم لا يثقون بها، مقابل 55 مشاركًا فقط (6%) عبّروا عن ثقتهم بها، و125 مشاركًا (14%) اتخذوا موقف الحياد. ويشير هذا الرفض الواسع إلى أزمة رفض حاد تواجه «الدعم السريع» في الوعي العام للمشاركين.

أما في التحالفات السياسية، فقد أفاد 206 مشاركين (23%) بأنهم يثقون في تحالف «صمود»، و270 مشاركًا (30%) كانوا في موقف الحياد، في حين ذكر 420 مشاركًا (47%) أنهم لا يثقون به. 

وحصل تحالف «تأسيس» على مستوى ثقة متدنٍّ، إذ أفاد 575 مشاركًا (64%) بأنهم لا يثقون به، مقابل 79 مشاركًا (9%) ذكروا أنهم يثقون به، ووقف 242 مشاركًا (27%) موقف الحياد. وكان نصيب تحالف الكتلة الديمقراطية من ثقة المشاركين منخفضًا أيضًا، إذ أفاد 39 مشاركًا فقط (4%) بأنهم يثقون به، مقابل 626 مشاركًا (70%) ذكروا أنهم لا يثقون به، و231 مشاركًا (26%) في موقف محايد. 

وتكشف هذه النتائج عن أزمة ثقة عميقة في معظم الفاعلين السياسيين والعسكريين، ويُعدّ الجيش السوداني الفاعل الوحيد الذي يحظى بمستوى ثقة معقول، وإن انقسم المشاركون حوله، في حين تعاني جميع التحالفات السياسية انخفاضًا حادًا في الثقة. ويبدو من النتائج أن الحرب لم تعزز شرعية أيّ طرف على نحو حاسم، بل ربما أضعفت الثقة في الجميع.

الشكل (10): مستوى الثقة في الفاعلين العسكريين والسياسيين

دور حزب المؤتمر الوطني في الحرب

يُعدّ دور حزب المؤتمر الوطني، المعروف شعبيًا باسم «الكيزان»، أحد أكثر القضايا إثارةً للجدل في الحرب الجارية. وقد أظهرت النتائج أن 505 مشاركين (56%) يعتقدون أن للمؤتمر الوطني مشاركة قيادية مباشرة في الحرب، في حين يظن 170 مشاركًا (19%) أنّ لديه مشاركة محدودة دون تدخل قيادي فعلي، ويرى 62 مشاركًا (7%) أنه لا علاقة له بما يحدث. وبينما أفاد 154 مشاركًا (17%) بأنهم لا يعلمون، اختار 5 مشاركين (1%) «أخرى».

المشاركين الذين اختاروا «أخرى» أشاروا إلى دور تحريضي وتعبوي اضطلع به المؤتمر الوطني في الحرب بحسب آرائهم، واستخدموا في وصفه عبارات مثل «زرع الفتن» و«إعداد الأسباب» و«تضخيم الأزمة».

ويشير الاعتقاد السائد بأن للمؤتمر الوطني دورٌ قياديٌّ مباشر في الحرب (أكثر من نصف العينة) إلى التصور العام بأنّ قادة النظام السابق، الذين أُطيحوا في 2019، ما زالوا يحتفظون بنفوذ كبير، ويعملون على إعادة إحياء مشروعهم السياسي عبر الحرب الجارية.

الشكل (11): رأي المستجيبين في مدى فعالية دور حزب المؤتمر الوطني في الحرب

المواقف من المبادرات السياسية

حكومة الأمل

تكشف البيانات عن انقسام ملحوظ في المواقف تجاه حكومة رئيس الوزراء المعيّن كامل إدريس، إذ عبّر 50% من المشاركين عن عدم دعمهم لها، مقابل 31% أبدوا دعمهم لها، في حين أعرب 19% عن عدم وضوح موقفهم منها. ويشير هذا التوزيع إلى حالة من التردّد والانقسام الشعبي إزاء أيّ ترتيبات حكومية تُنشأ في ظل غياب توافق وطني شامل وفي سياق نزاع مسلح مفتوح.

الشكل (12): مدى دعم المشاركين لحكومة الأمل الموالية للجيش السوداني

ميثاق «تأسيس»

تُظهر النتائج غياب دعم واسع لميثاق «تأسيس» الذي وقّعت عليه «الدعم السريع» مع عدد من القوى السياسية والحركات المسلحة، إذ لا يدعمه 72% من المشاركين، مقابل 13% عبّروا عن دعمهم له، و15% ذكروا أنهم لا يملكون موقفًا واضحًا منه. ويُظهر هذا الرفض الواسع أزمة ثقة تحيط بالميثاق والحكومة المكونة بموجبه والأطراف المنخرطة فيه.

الشكل (13): مدى تأييد المستجيبين لميثاق تحالف «تأسيس»

تبعات تكوين حكومة في مناطق سيطرة «الدعم السريع»

تُبرز إجابات المشاركين بشأن تداعيات إعلان «الدعم السريع» عن تشكيل حكومة في مناطق سيطرتها، مجموعةً من المخاوف البنيوية العميقة المرتبطة بوحدة الدولة ومستقبل النظام السياسي في السودان. وتُظهر هذه التصورات قلقًا واسعًا من أن يؤدي قيام سلطتين تنفيذيّتين متوازيتين في المجال الجغرافي نفسه إلى تكريس واقعٍ انقساميّ بحكم الأمر الواقع، حتى في غياب إعلان رسمي عن تقسيم البلاد. ويُنظر إلى هذا السيناريو بوصفه خطوة تُقنّن عمليًا حالة الازدواج في السلطة، بحيث تتعايش حكومتان متنافستان، لكل منهما أجهزتها الإدارية والأمنية، مما يُضعف فرص إعادة توحيد مؤسسات الدولة لاحقًا.

ويرى مشاركون أن من شأن تكريس حكومتين متوازيتين تعميق الاستقطاب السياسي والاجتماعي القائم، عبر ترسيخ منطق «الكيانات المتنافسة». ويُخشى أن يُسهم هذا الواقع في إطالة أمد النزاع، إذ تصبح لكل سلطة مصلحة مؤسسية في الحفاظ على وجودها وترتيباتها الإدارية والأمنية، مما يقلّل من حوافز التنازل المتبادل أو القبول بترتيبات انتقالية مشتركة. 

وأشار المشاركون كذلك إلى أن تعدّد الحكومات يُضعف فكرة الاحتكار المؤسسي للسلطة العامة ويقوّض مرجعية الدولة بوصفها الإطار الناظم الوحيد لإدارة الشأن العام، وهو ما قد يفضي إلى إعادة إنتاج أنماط حكم مجزّأة تُذكّر بسيناريوهات الانقسام السلطوي في سياقات نزاع أخرى.

التدخل الخارجي

تُظهر نتائج السؤال عن أعلى درجة تدخل خارجي مقبولة لدى المشاركين، تفضيلًا واضحًا للأدوار الدبلوماسية والإنسانية مقارنةً بخيارات التدخل العسكري المباشر، مع حساسية سيادية ملحوظة تجاه أيّ انخراط خارجي، إذ أجاب 259 مشاركًا (29%) بأن الوساطة السياسية تحت إشراف جهات إقليمية أو دولية (مثل الاتحاد الإفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، والإيقاد) هي أعلى درجات التدخل الخارجي المقبولة.

وجاء في المرتبة الثانية خيار تقديم دعم إنساني دون أيّ تدخل سياسي، إذ اختاره 207 مشاركين (23%)، وهو ما يشير إلى رغبة في الاستفادة من الأدوار الخارجية لتخفيف المعاناة الإنسانية مع الحفاظ على مسافة من التدخل في الشأن السياسي الداخلي. في المقابل، عبّر 145 مشاركًا (16.2%)  عن رفضهم الكامل لأيّ شكل من أشكال التدخل الخارجي، ما قد يدل على حضور مخاوف تتعلق بالسيادة الوطنية ورفض الوصاية الخارجية، حتى في سياق أزمة إنسانية وأمنية ممتدة.

أما خيارات التدخل ذات الطابع العسكري فقد حازت على مستويات قبول أدنى نسبيًا وبفوارق محدودة فيما بينها؛ إذ أبدى 129 مشاركًا (14.4%) قبولهم بتدخل عسكري أممي لحماية المدنيين، في حين أيّد 128 مشاركًا (14.3%) تدخلًا عسكريًا لدعم الجيش السوداني، وبقي قبول تدخل عسكري لمصلحة «الدعم السريع» هامشيًا للغاية بواقع 28 مشاركًا (3.1%). ويشير هذا التوزيع إلى تحفظ عام إزاء عسكرة الأدوار الخارجية، مع تفاوت في القبول بحسب الجهة المستفيدة من التدخل العسكري.

ويمكن تفسير تفضيل معظم المشاركين التدخل الدبلوماسي والإنساني مع رفض التدخل العسكري المباشر في ضوء سياقات ما بعد الاستعمار، إذ تكتسب مفاهيم السيادة الوطنية حساسية مضاعفة، ويُنظر إلى أيّ تدخل عسكري –حتى تحت مسمّى «حماية المدنيين»– بعين الريبة. غير أنّ اللافت هو أن هذه الحساسية السيادية لا تُترجَم إلى رفض مطلق للأدوار الخارجية، بل إلى تفضيل لأدوار محدّدة ومحسوبة تتراوح بين الوساطة والإغاثة، ما يُبرز وعيًا براغماتيًا بالحاجة إلى دعم خارجي مع الحرص على ضبط حدوده.

الشكل (14): أعلى درجات التدخل الخارجي المقبولة لدى المستجيبين 

تقييم أدوار الدول الفاعلة في الوساطة

حظيت السعودية بأعلى مستويات التقييم الإيجابي نسبيًا، إذ رأى 50% من المشاركين أن دورها إيجابي في مسار الحرب في السودان، مقابل 21% قيّموه سلبيًا، بينما اتخذ 29% موقفًا محايدًا. وفي حالة مصر، قيّم 38.6% من المشاركين دورها إيجابيًا، مقابل 46.5% رأوه سلبيًا، بينما اتخذ 14.9% موقفًا محايدًا.

في المقابل، تحظى الإمارات العربية المتحدة بأدنى مستويات التقييم الإيجابي بين الدول المذكورة، إذ يرى 83% من المشاركين أن دورها سلبي، مقابل 8% اتخذوا موقفًا محايدًا، و9% فقط قيّموه بوصفه إيجابيًا. أما الولايات المتحدة الأمريكية، فيرى 18.7% من المشاركين دورها إيجابيًا، مقابل 47.7% رأوه سلبيًا، بينما اختار 33.6% موقفًا محايدًا.

الشكل (15): تقييم دور الدول الفاعلة في جهود الوساطة

التوجهات نحو الحلول السياسية والمسارات المفضلة

تُظهر إجابات المشاركين بشأن المسارات المفضّلة لإنهاء الحرب في السودان ميلًا إلى الخيارات التفاوضية، إذ أفاد 468 مشاركًا (52.2%) بتفضيل التفاوض لوقف إطلاق النار ضمن شروط سياسية جديدة، مقابل 193 مشاركًا (19.3%) أيّدوا استمرار الحرب حتى تحقيق انتصار حاسم لأحد الأطراف، في حين اختار 183 مشاركًا (20.1%) التفاوض والعودة إلى العملية السياسية السابقة. ويشير هذا التوزيع إلى أن معظم المشاركين يميل إلى مقاربات تفاوضية لإنهاء الحرب، مع وجود كتلة معتبرة ما تزال ترى في الحسم العسكري مسارًا مفضّلًا.

واختار 52 مشاركًا (5.8%) مسارات بديلة. وعند سؤالهم عن طبيعة هذه المسارات، ركّزت معظم الإجابات على مطالب من قبيل «تفكيك الدعم السريع» أو «حلّ المليشيات» أو «نزع سلاح المليشيات» أو دمجها ضمن ترتيبات إصلاح القطاع الأمني والعسكري. ويشير هذا الطرح إلى أنّ شريحة من المشاركين لا تنظر إلى الحرب بوصفها أزمة سياسية ظرفية فحسب، بل باعتبارها نتيجة لاختلالات بنيوية في المنظومة الأمنية والعسكرية، مما يجعل إصلاح هذه المنظومة شرطًا أساسيًا لمنع تجدّد العنف على المديين المتوسط والبعيد.

وتضمّنت الإجابات كذلك دعوات إلى العودة إلى مسار الانتقال المدني، وتشكيل حكومة مدنية، وإخراج العسكريين من المجال السياسي. ويُظهر هذا الاتجاه تصورًا للحل بوصفه عملية سياسية لا تقتصر على وقف القتال، بل تمتد إلى إعادة تأسيس العلاقة بين السلطة المدنية والمؤسسة العسكرية وبناء شرعية سياسية جديدة بعد الحرب.

وأشار جزء من المشاركين إلى دور التدخل الخارجي والمطالبة بوقف دعم دول إقليمية لأطراف النزاع. وهنا تكرر ذكر الإمارات باعتبارها حليفة لـ«الدعم السريع». ويُظهر هذا الطرح اعتقادًا بأن إنهاء الحرب لا ينفصل عن معالجة شبكات الدعم الخارجي التي تُسهم في استدامته.

وتضمّنت بعض الإجابات مطالب ترتبط بالعدالة والمحاسبة عن الانتهاكات بوصفها شرطًا لأيّ تسوية مستدامة، إلى جانب التركيز على أولوية حماية المدنيين ووقف القتال وتوفير الإغاثة والخدمات الأساسية على المدى القصير. وأخيرًا، عبّر عدد من المشاركين عن تشاؤم أو غياب تصور واضح لمسار الحل، وهو ما قد يُظهر أثر إرهاق الحرب في ظل طول أمد الصراع وتكرار فشل المبادرات السياسية.

الشكل (16): المسار المناسب للحل في السودان

السيناريوهات المستقبلية المتوقعة

تُظهر إجابات المشاركين بشأن السيناريو الأكثر ترجيحًا لمستقبل السودان في السنوات الثلاث المقبلة، مستوى مرتفعًا من عدم اليقين، إذ توقّع 248 مشاركًا (28%) التوصّل إلى تسوية سياسية شاملة تُنهي الحرب عبر اتفاق بين جميع الأطراف، في حين رأى 177 مشاركًا (20%) أنّ السيناريو الأرجح هو استمرار الصراع العسكري، لكن بحدّة أقل أو في نطاق جغرافي محدود. وفي المقابل، صرّح 191 مشاركًا (21%) بعدم امتلاكهم تصورًا واضحًا للمستقبل، وتوقّع 125 مشاركًا (14%) سيناريو تسوية عسكرية نهائية بانتصار طرف واحد ونزع سلاح الآخر، في وقت رأى فيه 155 مشاركًا (17%) أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو تغيير هيكلي في شكل الدولة بترتيبات فيدرالية أوسع أو مسارات تفكك وانقسام.

الشكل (17): السيناريو الأكثر ترجيحًا لمستقبل السودان في السنوات الثلاث المقبلة

خاتمة

حاول هذا الاستطلاع استكشاف ملامح رأي عام سوداني يتشكّل في ظل حرب ممتدّة وبيئة معلوماتية مضطربة واستقطاب سياسي حاد. تُظهر النتائج أنّ معظم المشاركين لا يدعم أيًا من طرفي الحرب، ويحظى الجيش السوداني بدعم ملحوظ في حين تنخفض مستويات دعم الدعم السريع جداً. كذلك يحظى الجيش السوداني بمستوى ثقة أعلى نسبياً وإن كان منقسمًا حوله، في حين تواجه «الدعم السريع» والتحالفات السياسية والتشكيلات المسلحة أزمة ثقة حادّة، مما يشير إلى فراغ تمثيلي واسع في المجال السياسي خلال الحرب.

وتبرز فجوات جيلية في أنماط الدعم والانحياز؛ إذ يميل الشباب الأصغر سنًا إلى دعم الجيش بنسب أعلى مقارنةً بالفئات العمرية الأكبر التي ينحاز أغلبها إلى الحياد، وهو ما قد يُظهر اختلافًا في أطر التفسير والتجربة السياسية المتراكمة عبر الأجيال، وفي طرائق تلقّي المعلومات وتقييم الفاعلين في سياق الصراع. كما كشف الاستطلاع عن تفضيل لمسارات تفاوضية لإنهاء الحرب ضمن شروط سياسية جديدة، مقابل رفض ملحوظ للتدخل العسكري الخارجي المباشر وحساسية تجاه أيّ انخراط أجنبي يتجاوز الأدوار الدبلوماسية والإنسانية، مما يدل على مركزية الحل السياسي الوطني في الوعي العام للمشاركين.

وتشير النتائج كذلك إلى شيوع اعتقاد وسط المشاركين بتورّط حزب المؤتمر الوطني في دور قيادي في الحرب، وإلى تقييم سلبي واسع لدور الإمارات العربية المتحدة، في مقابل تقييم إيجابي نسبي للدور السعودي. أما على مستوى السيناريوهات المستقبلية، فيغلب عدم اليقين على توقّعات المشاركين، مع ميل إلى التسوية السياسية بوصفها السيناريو المأمول والأكثر توقعًا عند المستجيبين.

البريــد الإلكتروني

© 2022 Beam Reports. created with PRIVILEGE